الإعاقة والسياسات العمومية بالمغرب.. من الاعتراف بالحقوق إلى تحقيق الإنصاف
لم تعد قضية الإعاقة مجرد موضوع يرتبط بالرعاية الاجتماعية أو المبادرات التضامنية، بل أصبحت قضية حقوقية وتنموية تعكس مدى قدرة الدولة على ضمان المساواة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين.
وتعيد نتائج البحث الوطني الثالث حول الإعاقة، المقدمة يوم 3 شتنبر 2026، النقاش حول واقع الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب، ومدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لاحتياجاتهم وضمان حقوقهم في مختلف المجالات.
فقد بلغت نسبة انتشار الإعاقة، وفق المعطيات الواردة في نتائج البحث، 8.7 في المائة سنة 2026، مقابل 6.8 في المائة سنة 2014، ليرتفع عدد الأشخاص في وضعية إعاقة إلى حوالي 3.15 مليون شخص. كما أظهرت النتائج أن 29 في المائة من الأسر المغربية تضم شخصا في وضعية إعاقة.
وتؤكد هذه الأرقام أن الإعاقة ليست قضية هامشية أو مسؤولية أسرية محضة، بل قضية مجتمعية تتطلب تدخلا عموميا مندمجا، يضع حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة في صلب السياسات التنموية.
ومن بين المؤشرات التي تستدعي الانتباه، أن نسبة الأشخاص المتوفرين على تشخيص لا تتجاوز 29.7 في المائة، في حين لا يزال 36.5 في المائة خارج التغطية الصحية. وهي معطيات تطرح تساؤلات حول مدى سهولة الوصول إلى خدمات التشخيص المبكر والعلاج والتأهيل والمواكبة، خاصة بالنسبة للأسر التي تواجه صعوبات مادية أو تعيش في مناطق محدودة التجهيزات والخدمات.
ورغم ما راكمه المغرب من التزامات حقوقية وتشريعية، من خلال دستور 2011، والمصادقة على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، واعتماد القانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، فإن التحدي الأساسي يظل مرتبطا بمدى ترجمة هذه الالتزامات إلى ممارسات ملموسة وأثر فعلي في الحياة اليومية.
فوجود إطار قانوني يعترف بالحقوق لا يعني بالضرورة ضمان الاستفادة منها على أرض الواقع. إذ يتطلب تحقيق الإنصاف سياسات عمومية واضحة، وميزانيات كافية، وخدمات قريبة من المواطنين، إلى جانب آليات فعالة للتتبع والتقييم والمساءلة.
فلا يكفي الاعتراف بالحق في التعليم إذا ظلت بعض المؤسسات التعليمية غير مهيأة لاستقبال الأطفال في وضعية إعاقة، أو إذا استمرت صعوبات الولوج إلى الموارد التربوية والدعم المتخصص. كما لا يكفي الحديث عن الحماية الاجتماعية إذا ظلت الأسر تواجه عراقيل في الحصول على الخدمات الصحية والتأهيلية، أو تتحمل أعباء مالية ونفسية كبيرة في سبيل توفير احتياجات أبنائها.
ولا يمكن تحقيق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي دون العمل على إزالة الحواجز التي تحول دون مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة في سوق الشغل والحياة العامة، وضمان الولوج إلى وسائل النقل والمرافق العمومية والخدمات الرقمية، ومحاربة مختلف أشكال التمييز والإقصاء.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى سياسات عمومية أكثر استجابة للاحتياجات الفعلية، تقوم على التشخيص المبكر، وتطوير التعليم الدامج، وتحسين الخدمات الصحية والتأهيلية، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز الولوجيات، مع إيلاء أهمية خاصة للأسر والمناطق التي تعاني نقصا في الخدمات المتخصصة.
كما أن الانتقال نحو مجتمع دامج يقتضي تجاوز المقاربة التي تختزل الإعاقة في الجانب الطبي أو الاجتماعي، واعتماد مقاربة حقوقية شاملة تراعي التفاعل بين وضعية الشخص والحواجز البيئية والمؤسساتية والمجتمعية التي قد تحد من مشاركته الكاملة والفعالة.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الأشخاص في وضعية إعاقة باعتبارهم مجرد مستفيدين من البرامج الاجتماعية، بل باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق، لهم الحق في المشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس حياتهم. وهو ما يجعل إشراكهم، إلى جانب جمعيات المجتمع المدني والأسر والفاعلين التربويين والصحيين، ضرورة أساسية عند إعداد السياسات العمومية وتنفيذها وتقييم نتائجها.
كما يظل توفير معطيات دقيقة ومحيّنة، مصنفة حسب نوع الإعاقة والسن والجنس والمجال الجغرافي، مدخلا أساسيا لتحديد الأولويات وتوجيه الموارد نحو الفئات والمناطق الأكثر حاجة، بدل الاكتفاء ببرامج عامة قد لا تستجيب بالقدر الكافي لاختلاف الاحتياجات.
إن أهمية البحث الوطني الثالث حول الإعاقة لا تتحدد فقط في الأرقام التي يقدمها، بل أيضا في مدى قدرة المؤسسات على تحويل نتائجه إلى قرارات عملية وبرامج قابلة للتقييم، تتيح قياس التقدم المحرز ورصد الاختلالات وتصحيحها.
فالسؤال المطروح اليوم ليس فقط كم يبلغ عدد الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب، بل إلى أي حد تستطيع السياسات العمومية ضمان حقوقهم وتحويل الاعتراف القانوني إلى إنصاف فعلي في التعليم والصحة والشغل والمشاركة المجتمعية؟
إن بناء مجتمع دامج لا يتحقق بمجرد إعلان الالتزامات أو اعتماد النصوص القانونية، بل يتطلب إرادة مستمرة لتجاوز الحواجز، وتوفير الإمكانات، وضمان تكافؤ الفرص. فالمعيار الحقيقي لنجاعة السياسات العمومية هو قدرتها على جعل الحقوق واقعا ملموسا، وصون كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة، وتمكينهم من المشاركة الكاملة في بناء المجتمع.
فالإنصاف ليس امتيازا يمنح، بل حق يجب ضمانه.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار