الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: اليسار بين ذاكرة النضال وأسئلة التجديد
الأحزاب المغربية تحت المجهر
تقدّم سلسلة “الأحزاب المغربية تحت المجهر” التي تطلقها DairaNews قراءة تحليلية للمشهد الحزبي المغربي، بعيدًا عن أي انحياز أو تفضيل.
يعتمد ترتيب الأحزاب على معايير موضوعية تشمل الوزن السياسي، الحضور البرلماني، والتنوّع الإيديولوجي، بهدف تعميق الفهم وإحياء النقاش حول مستقبل العمل الحزبي في المغرب.
مقال 2: حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية:
من قلب النضال العمالي والطلابي في خمسينيات القرن الماضي، خرج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كصوتٍ للعدالة الاجتماعية وكرامة المواطن.
واليوم، بعد ستة عقود من المعارضة والمشاركة، يواجه الحزب سؤالًا مصيريًا:
هل لا يزال يمثل اليسار المغربي الحقيقي، أم أصبح جزءًا من البنية التي كان ينتقدها؟
1. الهوية التاريخية والجذور النضالية
تأسس الحزب سنة 1959 إثر انشقاق مجموعة من قيادات حزب الاستقلال، على رأسهم عبد الرحيم بوعبيد والمهدي بن بركة، الذين رأوا أن “الاستقلال السياسي لا معنى له بدون استقلال اجتماعي واقتصادي”.
جاء الاتحاد الاشتراكي كحركة تصحيحية ثورية تهدف إلى تأسيس يسار وطني يدافع عن الفئات الشعبية، ويؤسس لمفهوم الدولة الاجتماعية الحديثة.
وقد لعب دورًا بارزًا في مقاومة السلطوية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث قدّم رموزه شهداء ومعتقلين في ما سُمّي بـ”سنوات الرصاص”.
■ تحليل:
الاتحاد الاشتراكي هو ضمير اليسار المغربي، لكنه أيضًا جزء من الذاكرة الديمقراطية للدولة.
لقد دفع ثمنًا باهظًا مقابل مواقفه التاريخية، ما منحه مكانة أخلاقية عميقة في الوجدان السياسي المغربي.
2. البنية التنظيمية والثقافة الداخلية
يقوم الحزب على تنظيم أفقي مفتوح يعتمد على المؤتمرات الدورية والانتخابات الداخلية، لكنّ صراعات الأجنحة والنزعات الشخصية أضعفت أحيانًا وحدته الداخلية.
تاريخيًا، تميز الحزب بثقافة سياسية نقدية عالية، وجاذبية فكرية قوية وسط النخبة الجامعية والنقابية.
إلا أن العقدين الأخيرين شهدا تراجعًا في حيوية القواعد، خاصة بعد تحوّله من حزب معارض شرس إلى شريك حكومي منذ تجربة التناوب التوافقي سنة 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي.
■ تحليل تنظيمي:
من حزب مثقفين ثوريين إلى حزب إداري منضبط نسبيًا، يعكس الاتحاد الاشتراكي اليوم تحوّل اليسار من الثورة إلى الإصلاح، لكنه لم ينجح بعد في بناء آلية لتجديد النخب بشكل مستمر.
3. المرجعية الفكرية والبرنامج السياسي
يستند الاتحاد الاشتراكي إلى الاشتراكية الديمقراطية كمرجعية، تجمع بين العدالة الاجتماعية والحرية السياسية.
شعاره التاريخي “الحرية، المساواة، الكرامة” ظل ثابتًا رغم تغيّر السياقات.
ركزت برامجه الانتخابية الحديثة على:
– إصلاح التعليم كأولوية استراتيجية؛
– دعم الدولة الاجتماعية وتوسيع الحماية الاجتماعية؛
– تمكين المرأة والشباب؛
– الانتقال الطاقي والعدالة البيئية.
■ تحليل فكري:
الاشتراكية الاتحادية اليوم ليست مشروعًا أيديولوجيًا بقدر ما هي موقف أخلاقي من المجتمع، لكنه بحاجة إلى تحديث أدواته الفكرية لمواكبة التحولات الرقمية والاقتصاد الجديد.
4. الحضور الانتخابي والسياسي
عرف الحزب تقلبات كبيرة في تمثيليته البرلمانية:
▪︎ 1977: قوة برلمانية صاعدة.
▪︎ 1997: الحزب الأول في الانتخابات، ما أهّله لقيادة حكومة التناوب (1998–2002).
▪︎ 2007 وما بعدها: تراجع تدريجي في الحضور الانتخابي.
▪︎ 2021: احتل المرتبة الخامسة، لكن حافظ على حضور رمزي قوي.
■ تحليل سياسي:
التحوّل من المعارضة إلى الحكم كان نقطة الانعطاف الكبرى في تاريخ الحزب؛ إذ فقد بذلك “هالته الثورية” دون أن ينجح في بناء “مشروع حكومي بديل”.
ومع ذلك، يظلّ أحد أركان التوازن السياسي ومصدرًا مهمًا لإطارات الدولة والنخب الفكرية.

5. الصورة الإعلامية والاتصال السياسي
تميّز الحزب تاريخيًا بإعلام قوي من خلال جريدة الاتحاد الاشتراكي، التي كانت منبرًا للنقاش السياسي والفكري في المغرب لعقود.
لكن مع التحول الرقمي، فقد الحزب كثيرًا من تأثيره الإعلامي، إذ لم يتمكّن بعد من بناء منصّات رقمية تفاعلية قادرة على منافسة الخطابات الجديدة.
على المستوى الخطابي، يميل الأمين العام إدريس لشكر إلى أسلوب مباشر، أحيانًا صدامي، يحاول من خلاله الحفاظ على الحضور في المشهد الإعلامي، وإن كان ذلك على حساب الخطاب الفكري المتوازن الذي ميّز الحزب سابقًا.
■ تحليل تواصلي:
الاتحاد الاشتراكي بحاجة إلى إعادة إحياء خطابه الثقافي والإنساني، وتطوير أدواته التواصلية بما يجعله يخاطب الجيل الرقمي الذي لم يعش زمن بوعبيد ولا اليوسفي.
6. التحديات الراهنة والرهانات المستقبلية
1. أزمة الهوية الفكرية: هل هو حزب يسار فعلي أم حزب وسط ديمقراطي؟
2. تجديد النخبة: انحسار القواعد الشابة وغياب القيادة الكاريزمية الجامعة.
3. التموقع السياسي: بعد نهاية الثنائية التاريخية (القصر–المعارضة)، ما موقعه الجديد؟
4. التحول الرقمي: الحاجة إلى خطاب جديد يربط بين العدالة الاجتماعية والتحوّل التكنولوجي.
■ الرهان الأكبر:
تحويل الاتحاد الاشتراكي من “ذاكرة اليسار” إلى “مختبر للأفكار التقدمية المستقبلية”، وإلا سيتحوّل تدريجيًا إلى حزب رمزي بلا تأثير فعلي.
خلاصة تحليلية
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية هو ذاكرة اليسار المغربي وضميره الأخلاقي، لكنه يقف اليوم أمام منعطف تجديدي حاسم.
إن استمرار رمزيته التاريخية رهين بقدرته على توليد مشروع اجتماعي جديد يتجاوز اللغة القديمة إلى مفاهيم الكفاءة، المساواة الرقمية، والعدالة المعرفية.
• فإمّا أن يستعيد الحزب دوره كمحرّك للفكر الوطني،
• أو يظلّ مجرّد عنوانٍ جميل في ذاكرة النضال المغربي.
■ بطاقة تعريف مختصرة
الاسم الكامل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
سنة التأسيس 1959
المرجعية الفكرية اشتراكية ديمقراطية
الزعيم التاريخي المهدي بن بركة – عبد الرحيم بوعبيد
الأمين العام الحالي إدريس لشكر
الصحيفة الرسمية الاتحاد الاشتراكي
المقر المركزي الرباط
عدد المقاعد في البرلمان (2021) حوالي 35 مقعدًا
الشعار “الحرية، المساواة، الكرامة”
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار