مجتمع

الارتجالية في تدبير الخطبة الموحدة: عبث يسيء إلى منبر الجمعة مرة أخرى

يرى كثير من المغاربة، ومعهم عدد متزايد من المراقبين، أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أفرغت منبر الجمعة من روحه، وحولته من منبر هداية وتزكية وإصلاح، إلى أداة ناعمة لتمرير الخطاب السياسي للدولة، تحت غطاء الوعظ والإرشاد
فخطبة الجمعة، التي تأسست منذ عهد الرسول ﷺ لتكون لحظة جامعة لتقوية الإيمان، وتذكير الناس بعباداتهم، وأخلاقهم، وصلتهم بالله، وبقيم التعاون والتقوى، تحولت اليوم – بفعل التوجيه المركزي – إلى خطب شبه رسمية، تتناول قضايا اجتماعية وسياسية ووطنية بلسان واحد، ونَفَس واحد، ومفردات واحدة، وكأن الخطيب لم يعد فقيهًا أو واعظًا، بل قارئًا لبلاغ إداري.

لم يعد الحديث عن الصلاة عماد الدين، ولا عن الذكر وتلاوة القرآن، ولا عن تزكية النفس، ولا عن الأخلاق التي تنهض بالمجتمع من الداخل. بل أصبحنا نسمع، أسبوعًا بعد آخر، خطبًا عن حقوق المرأة بمنطق شعاراتي، العنف ضد النساء بقراءة انتقائية، الأعياد الوطنية وذكرى الاستقلال، المصلحة العليا للوطن، بناء المغرب الحديث، وتربية المواطنين على “المشاركة في الشأن العام”.

وهي مواضيع، مهما كانت أهميتها في فضاءات أخرى، تبقى بعيدة عن المقاصد الشرعية لخطبة الجمعة كما حددها العلماء والفقهاء، وكما استقر عليها العمل عبر القرون في المذهب المالكي.

السؤال الذي يطرحه كثير من المتتبعين بوضوح هو: لماذا تصر وزارة الأوقاف على تسييس المنبر الديني؟ ولماذا يُستعمل المسجد، الذي يفترض أن يكون ملاذًا روحيًا محايدًا، لتمرير اختيارات الدولة وسياساتها العامة، في الوقت الذي ينص فيه الدستور والقانون صراحة على عدم استغلال المساجد لأغراض سياسية؟

الأدهى من ذلك، أن اعتماد “الخطبة الموحدة” زاد من تعميق هذا الإشكال. فهذه الخطبة، التي فُرضت رغم تحفظات ورفض عدد كبير من الخطباء والفقهاء داخل المجالس العلمية المحلية، حوّلت الإمام إلى موظف صوتي، وجعلت المسجد نسخة دينية من نشرة رسمية، بلا روح ولا تفاعل ولا أثر إيماني حقيقي.

والنتيجة؟  فتور ديني واضح، عزوف متزايد عن خطبة الجمعة، شعور عام بأن المسجد لم يعد يعبر عن هموم الناس الروحية،  وفقدان الثقة في خطاب ديني مُؤدلج وموجَّه

إن وزارة الأوقاف، بدل أن تحصّن المنبر من التوظيف، هي من زجّت به في قلب الصراع الرمزي، فخسرت هيبة الخطبة، وأضعفت أثرها، ووسّعت الفجوة بين الخطاب الرسمي والتدين الشعبي.

المساجد لم تُبنَ لتكون قاعات تواصل حكومي، ولا خُصصت لتسويق الاختيارات السياسية، ولا أُقيمت لترديد شعارات الدولة بلغة دينية، المسجد بيت الله، وخطبة الجمعة أمانة شرعية، ومن يفرّغها من مقاصدها، مهما حسنت نواياه، إنما يساهم في تجفيف المعنى الديني، وتحويل العبادة إلى وظيفة.

لقد آن الأوان لوزارة الأوقاف أن تعيد للمنبر استقلاله الروحي، وأن تثق في علماء الأمة وخطبائها، وأن ترفع يد السياسة عن المساجد، قبل أن يتحول الصمت في الصفوف إلى حكم شعبي صريح على هذا النهج.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار