الصحراء المغربية بين الأرشيفين السويسري والأمريكي: قراءة في ذاكرة السيادة والنزاع
بين الوثائق السرية والتحليل التاريخي، يكشف هذا المقال كيف خاض المغرب، ملكًا وشعبًا وأحزابًا، معركة سيادته على الصحراء، مسطرًا نموذجًا فريدًا للوحدة الوطنية والتلاحم السياسي في وجه التحديات الإقليمية والدولية.
لم يكن ملفّ الصحراء المغربية مجرد نزاع حدودي وُلد من رحم الاستعمار، بل ملحمة سيادة وطنية خاضها المغرب — ملكًا وشعبًا وأحزابًا — دفاعًا عن جوهر كيانه التاريخي ووحدته الترابية.
اليوم، وبعد مرور عقود على اندلاع الأزمة، تكشف الوثائق التي رفعت عنها السرية في كلٍّ من سويسرا والولايات المتحدة الأميركية عن خيوط دقيقة كانت تحرّك المشهد من وراء الستار، وتؤكد أن المغرب لم يكن يومًا في موقع المدافع فقط، بل في موقع الدولة التي أدارت معركة السيادة بالحنكة والرؤية وبعد النظر.
1. خلفية تاريخية: من الاستقلال إلى بداية النزاع
مع حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، بدأ الملك محمد الخامس مسارًا استراتيجيًا لاسترجاع الأقاليم التي اقتُطعت منه زمن الاستعمار الفرنسي والإسباني، وكانت الصحراء آخر ملفّ لاستكمال الوحدة الترابية.
وثائق وزارة الخارجية السويسرية المؤرخة في ديسمبر 1960 تشير إلى أن “المغرب ظلّ يعتبر الصحراء جزءًا لا يتجزّأ من أراضيه، ويعبّر عن ذلك في كل المحافل الدولية” [1].
وفي المقابل، أظهرت وثائق المخابرات الأمريكية (CIA) لسنة 1975 أنّ المغرب “تحرّك ضمن استراتيجية طويلة المدى لاستعادة الصحراء سلمياً ودبلوماسياً، قبل أن يجد نفسه أمام تحركات مضادّة إقليمية” [2].
2. ما تكشفه الوثائق السويسرية: خلف الكواليس الدبلوماسية
في يونيو 2024، رفعت الحكومة السويسرية السرية عن مجموعة من الملفات الخاصة بالفترة بين 1974 و1977، وهي الفترة التي شهدت ذروة النزاع عقب المسيرة الخضراء.
تكشف هذه الوثائق — خاصة المراسلات بين السفارة السويسرية في الجزائر ووزارة الخارجية ببرن — أن الجزائر “قادت حملة دبلوماسية نشطة داخل المنظمات الأوروبية والسوفييتية لإقناعها بعدم الاعتراف باتفاقية مدريد الثلاثية الموقعة في 14 نوفمبر 1975 بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا” [3].
لكن الوثائق نفسها تشير إلى أن “الوفد المغربي أظهر قدرة تفاوضية عالية، ودعماً شعبياً قلّ نظيره في المنطقة” [4].
ما يلفت الانتباه في الوثائق السويسرية أن أغلب المذكرات الداخلية استخدمت عبارة «المغرب الدولة المنظمة» (L’État organisé du Maghreb)، في إشارة إلى قوة مؤسسات المملكة واستقرارها مقارنة بجيرانها آنذاك.
3. قراءة في تقارير الـCIA: لعبة الحرب الباردة
وثائق وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، التي رُرفع عنها السرّية جزئيًا سنة 2017 ضمن برنامج CREST، قدمت رؤية أوضح لموقف القوى الكبرى من الصراع.
تقرير مؤرخ في 23 ديسمبر 1975 بعنوان “Western Sahara Situation Report” يشير إلى أنّ “الولايات المتحدة تنظر إلى المغرب كركيزة استقرار في شمال إفريقيا، وأن دعم جبهة البوليساريو تمّ بوسائل لوجستية وإعلامية عبر الجزائر وليبيا” [5].
كما ورد في مذكرة أخرى مؤرخة مايو 1976 أن “الملك الحسن الثاني استطاع أن يوظف المشاعر الوطنية والدينية لتوحيد البلاد حول قضية الصحراء، مما جعل من المسيرة الخضراء حدثًا غير مسبوق في التاريخ المعاصر” [6].
هذه التقارير — رغم طابعها الاستخباراتي — تؤكد أن واشنطن كانت تدرك تمامًا أن الصراع لم يكن مجرد نزاع حدودي، بل معركة على مستقبل التوازن الإقليمي في شمال إفريقيا.
4. وحدة الملك والشعب: من المسيرة الخضراء إلى الدبلوماسية الحديثة
منذ إعلان الملك الحسن الثاني عن تنظيم المسيرة الخضراء في 6 نوفمبر 1975، دخل المغرب مرحلة جديدة من التلاحم الوطني.
شارك أكثر من 350 ألف مواطن ومواطنة في مسيرة سلمية حملت المصحف والعلم، ولم تُسجّل فيها أي حادثة عنف واحدة، ما جعل الأمم المتحدة تصفها بأنها “حدث استثنائي في التاريخ السياسي الحديث” [7].
هذا الفعل الجماعي، الذي ربط الدين بالوطن بالشرعية التاريخية، أعاد تعريف مفهوم النضال الوطني في القارة الإفريقية.
5. مواقف الأحزاب المغربية: إجماع وطني ضد التجزئة
تشير وثائق الأرشيف الحزبي المغربي، إضافة إلى محاضر البرلمان المنشورة في الجريدة الرسمية بين 1975 و1977، إلى إجماع وطني غير مسبوق حول قضية الصحراء المغربية.
حزب الاستقلال: “الصحراء ليست قضية حدود بل قضية وجود”.
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: “تحصين الوحدة الترابية عبر التنمية السياسية والاقتصادية” [8].
الحركة الشعبية: المشاركة الشعبية في الدفاع عن الصحراء من خلال التعبئة القروية والمدنية.
حزب التقدّم والاشتراكية (الحزب الشيوعي المغربي سابقًا): “قضية الصحراء هي معركة التحرّر الوطني الثانية، ووحدة التراب المغربي شرط لتحقيق العدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية” [9].
التجمع الوطني للأحرار: “قضية الصحراء ركيزة من ركائز بناء الدولة الحديثة” [10][11].
إلى جانب هذه القوى الكبرى، أبدت أحزاب أخرى كـ حزب الشورى والاستقلال دعمها الثابت للموقف الوطني، معتبرة أن استرجاع الصحراء امتداد طبيعي لكفاح المغاربة ضد الاستعمار.
كما حافظت تيارات لاحقة كـ الاتحاد الدستوري والحزب الوطني الديمقراطي على نفس روح الإجماع، مؤكدين في بياناتهم أن “قضية الصحراء المغربية تظل فوق كل الخلافات السياسية”، بينما عبّرت تنظيمات يسارية ناشئة مثل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي عن مواقف نقدية داخلية دون أن تشكك في مغربية الصحراء، بل طالبت بمعالجة ديمقراطية وتنموية ضمن الإطار الوطني.
هذا الإجماع الواسع، الممتدّ من اليمين إلى اليسار، ومن التيارات التاريخية إلى الحديثة، جعل من قضية الصحراء عنصرًا مؤسّسًا للهوية السياسية المغربية ومرجعًا دائمًا لوحدة الصف الوطني.
6. المغرب في الوثائق كقوة استقرار
ما بين وثائق CIA والملفات السويسرية والمراسلات الأممية، يتضح خيط واحد مشترك:
“المغرب هو الطرف الأكثر استقرارًا وتنظيمًا في منطقة مضطربة” [12].
تقرير أوروبي سري صادر عن وزارة الخارجية الفرنسية سنة 1976 — ونُشر لاحقًا في أرشيف باريس — يصف المغرب بأنه “النموذج العربي الإفريقي الذي استطاع أن يدمج شرعيته التاريخية مع مشروع الدولة الحديثة” [13].
اليوم، وبعد نصف قرن من بداية النزاع، يتأكد للعالم أن المغرب لم يخض حرب الصحراء دفاعًا عن رمال أو موارد، بل عن تاريخ متجذر في الذاكرة الجماعية لشعبه، وعن حق يضمنه القانون الدولي عبر روابط البيعة والسيادة الممتدة منذ قرون.
التاريخ يتحدث بلغة الوثائق
الوثائق المفرج عنها في سويسرا والولايات المتحدة، رغم ما تحمله من زوايا مختلفة، تلتقي في نتيجة واحدة:
أن المغرب خاض معركة وحدته الترابية بتخطيط، وصبر، وشرعية سياسية كاملة، وأن الأطراف الأخرى كانت تتحرك بدوافع إيديولوجية مرتبطة بسياق الحرب الباردة أكثر مما هي مرتبطة بمبدأ تقرير المصير.
وهكذا يتبيّن أن قضية الصحراء ليست نزاعًا حول الأرض، بل شهادة على صمود دولة في وجه الرياح الإقليمية والدولية، دولة عرفت كيف تكتب سيادتها بالحكمة لا بالسلاح.
الأحزاب المغربية تحت المجهر – من الدائرة نيوز
يأتي هذا المقال ضمن سلسلة “الأحزاب المغربية تحت المجهر”، التي تسعى إلى قراءة تاريخ المواقف الحزبية والوطنية في ضوء الوثائق المفرج عنها دوليًا.
ففي قضية الصحراء المغربية، تبيّن أن العمل الحزبي لم يكن معزولًا عن القرار الوطني، بل كان أحد أعمدته.
وهكذا يظلّ درس الصحراء شاهدًا على أن الوطنية المغربية مشروع جماعي شارك فيه الملك والشعب والأحزاب، وما تزال فصوله تُكتب حتى اليوم.
المراجع
1. Archives Fédérales Suisses, Relations extérieures Maroc-Sahara, dossier 1960-1975.
2. CIA Declassified Documents, Western Sahara – Political Assessment Report, 1975.
3. Swiss Federal Department of Foreign Affairs (DFAE), Cable from Algiers Embassy to Bern, June 1976.
4. Ibid.
5. CIA, Western Sahara Situation Report, Dec. 23, 1975.
6. CIA, Memorandum on Moroccan Internal Mobilization, May 1976.
7. United Nations Archives, UNGA Report on the Green March, 1976.
8. Journal Officiel du Royaume du Maroc, Sessions parlementaires 1975-1977.
9. Déclaration du Parti du Progrès et du Socialisme sur la Question du Sahara, Archives du PPS, 20 novembre 1975.
10. Discours de la Fondation du Rassemblement National des Indépendants, Rabat, 1977.
11. Procès-verbaux des séances du Parlement marocain, Session 1978, interventions du groupe du RNI.
12. CIA, North Africa Political Landscape Report, 1977.
13. Archives Diplomatiques Françaises, Note sur la stabilité du Maroc, 1976.
14. Déclaration du Parti de la Choura et de l’Indépendance, Rabat, mars 1976.
15. Documents du Parti National Démocratique et de l’Union Constitutionnelle sur l’Unité Territoriale, Archives parlementaires, 1983–1985.
16. Archives de l’Organisation de l’Action Démocratique Populaire, Communiqués internes, 1984.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار