أقلام حرة

المجموعة 78: حين تتحول الحرب السيبرانية إلى اختبار للشرعية الدولية… والمغرب يقدّم درسه الخاص

في عصرٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية، حيث تُدار الحروب من خلف الشاشات، وتتعاظم قوة البيانات على حساب القوة التقليدية، تتغير مفاهيم السيادة، والأمن، والشرعية بوتيرة أسرع من قدرة القانون الدولي على اللحاق بها.

وفي خضم هذا التحول، برزت تقارير متلاحقة عن وحدة أميركية غامضة تُعرف باسم «المجموعة 78»، يُزعم أنها تخوض حربًا رقمية سرية ضد الجماعات السيبرانية المعادية لواشنطن. بالمقابل، يظهر المغرب كنموذجٍ نادر استطاع بناء أمنه السيبراني وفق قواعد القانون، دون الانحراف إلى منطق الظل، ما يجعله تجربة فريدة تستحق الدراسة والتحليل على المستوى الدولي.

1. من التسريب إلى الحقيقة: قصة «المجموعة 78»

الوثائق المسربة إلى وسائل الإعلام الغربية خلال الأسابيع الماضية كشفت عن شبكة عمليات رقمية متقدمة، يُعتقد أنها تتبع وزارة الدفاع الأميركية، وتعمل منذ سنوات على ملاحقة مجموعات قراصنة مرتبطة بروسيا، وعلى رأسها Black Basta.

ما يميز هذه الوحدة هو غيابها عن السجلات الرسمية وافتقارها إلى أي مساءلة قضائية، إذ تعمل في نطاق غامض من “السلطة التنفيذية السرية”، ما يجعلها تجسيدًا حيًا لفكرة “الأمن فوق القانون”.

تجدر الإشارة إلى أن هذه العمليات لم تعد مقتصرة على الهجمات الوقائية، بل توسعت لتشمل جمع المعلومات الاستخباراتية، واستهداف البنية التحتية الرقمية الحيوية للخصوم، بما يثير تساؤلات حول حدود الشرعية الدولية (Le Monde, 2025).

2. الأمن الهجومي: فلسفة جديدة في واشنطن

السياسة الأميركية تتجه نحو اعتماد الأمن الوقائي الرقمي، حيث يتم شن عمليات مضادة داخل شبكات الخصوم قبل وقوع أي هجوم.

هذه العقيدة تتجسّد في عمل «المجموعة 78» باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي متقدم، وقدرات اختراق معقدة تجعلها الذراع غير المعلنة في صراعات النفوذ السيبراني بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.

كما أظهرت دراسة حديثة أن هذه العمليات قد تكون مكلفة اقتصاديًا وسياسيًا على المدى الطويل، بسبب احتمالية تصعيد النزاعات السيبرانية وخلق بيئة عدم ثقة بين الدول (Journal of Cyber Security Studies, 2024).

3. أوروبا بين الشراكة والريبة

الحلفاء الأوروبيون يشاركون واشنطن المخاوف نفسها، لكنهم يعبرون عن قلق متزايد من غموض هذه الوحدة، خصوصًا بعد تقارير تشير إلى تنفيذ بعض العمليات داخل أراضيهم دون إشعار السلطات الوطنية.

إنها معادلة حساسة: شراكة ضد التهديد الروسي من جهة، وتوجس من تجاوز الشريك الأميركي للحدود القانونية من جهة أخرى.

وبين الضفتين، تتعمق أزمة الثقة حتى داخل المعسكر الغربي، مما يعكس أن السرية المطلقة ليست دائمًا مفيدة في بناء التحالفات الاستراتيجية.

4. المغرب: النموذج الجنوبي الصاعد

في مواجهة هذه السرية الغربية، يقدم المغرب تجربة مغايرة عبر المديرية العامة لأمن الأنظمة المعلوماتية (DGSSI) التابعة لإدارة الدفاع الوطني.

هذه المؤسسة، التي تُدار بمنهجية علمية ورقابة مؤسساتية صارمة، نجحت في بناء منظومة رقمية وطنية متقدمة، تجمع بين الفعالية التقنية والشرعية القانونية.

وفقًا لتقارير رسمية، تمكنت DGSSI في 2021 من رصد وتحيد أكثر من 577 تهديدًا سيبرانيًا، فيما سجّلت 2024 إحباط 644 هجمة رقمية استهدفت قطاعات الطاقة، المالية، والموانئ.

كما أطلقت برامج يقظة رقمية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، إضافة إلى عمليات تحليل جنائي رقمي وتدقيق أمني وقائي.

هذا يجعل المغرب نموذجًا رائدًا لدول الجنوب، قادرة على صياغة مفهوم جديد للأمن السيبراني: أمن يحمي المواطن دون أن يتحول إلى سلطة فوقه، ويدافع عن السيادة الرقمية دون تجاوز مؤسسات الدولة المدنية (DGSSI, 2024).

5. بين واشنطن والرباط: تباين فلسفتين

الولايات المتحدة: تمارس القوة الرقمية في الظل باسم الردع والاستباق، حتى لو اقتضى الأمر تجاوز الحدود القانونية.

المغرب: تمارس القوة تحت ضوء القانون وبمنطق التنمية والأمن الإنساني، في انسجام تام مع رؤية الدولة لترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات.

هذا التباين يعكس اختلاف الفلسفة السياسية نفسها: بين من يرى أن الأمن يبرر كل شيء، ومن يرى أن الأمن لا يكون أمنًا إلا إذا كان قانونيًا وأخلاقيًا.

6. الدرس الأخلاقي والسياسي

تكشف «المجموعة 78» أن التكنولوجيا بلا ضوابط يمكن أن تتحول من أداة حماية إلى سلاح خارج الشرعية.

بينما يثبت المغرب أن الرهان الحقيقي في الأمن السيبراني ليس في حجم الأدوات التقنية، بل في نبل الإطار القانوني الذي يحكمها، وهو ما يجعل من التجربة المغربية رسالة عالمية تقول:

«يمكن لدول الجنوب أن تُبدع في الأمن كما تُبدع في التنمية، شريطة أن تضع الإنسان في صلب المعادلة.»

بالإضافة إلى ذلك، يُشير تحليل للخبراء إلى أن الأمن الرقمي الشامل يجب أن يشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية، مثل حماية الاقتصاد الرقمي الوطني، وتأهيل القوى العاملة في التكنولوجيا الرقمية.

7. نحو ميثاق أممي للفضاء الرقمي

المرحلة المقبلة تتطلب من المجتمع الدولي وضع ميثاق عالمي للأمن السيبراني يحدد قواعد الاشتباك، حدود التدخل، ويحمي حقوق الدول والمواطنين.

حتى يتحقق ذلك، سيظل ميزان القوة يميل لمن يمتلك التكنولوجيا والمشروعية معًا — وهنا يتجلى موقع المغرب كفاعل توازني جديد في الجنوب المتقدم.

في زمن تتقاطع فيه الشاشات مع السيادة، وتختلط أدوات الحماية بأسلحة الردع، تظل الأسئلة الأخلاقية أكبر من الشيفرات البرمجية.

إن «المجموعة 78» تمثل وجهًا خفيًا للقوة، لكنها تذكّرنا بأن السرية ليست دائمًا دليلًا على التفوق.

أما المغرب، فيقدّم درسًا عالميًا بليغًا: أن الشرعية أقوى من السرية، والأمن حين يكون في خدمة الإنسان يصبح وطنًا رقميًا بحق.

 

المراجع والمصادر الأكاديمية:

1. Le Monde, “Revelations on Group 78”, أكتوبر 2025. https://www.lemonde.fr

2. DGSSI – المديرية العامة لأمن الأنظمة المعلوماتية، المغرب، تقارير 2021-2024. https://www.dgssi.gov.ma

3. Journal of Cyber Security Studies, 2024. https://jcss.ut.ac.ir

4. SecureWeb.ma – تقرير الأمن السيبراني المغربي، 2025. https://secureweb.ma

5. Emirates Scholar, International Journal of Digital Cybersecurity, 2024. https://emiratesscholar.com

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار