تفاصيل..تسريب صوتي خطير…الطالبي العلمي يهاجم فوزي لقجع
قبل أن يقول المغاربة كلمتهم في صناديق الاقتراع، وقبل أن تتضح خريطة الانتخابات المقبلة، يبدو أن راشيد الطالبي العلمي اختار أن يذهب بعيداً في رسم ملامح المرحلة المقبلة، وكأن نتائج الانتخابات أصبحت مجرد تفصيل مؤجل، بينما النقاش الحقيقي، بالنسبة إلى البعض، بدأ حول الحقائب والمناصب والأسماء.
المنشور المتداول والمنسوب إلى الطالبي العلمي، والذي لا يمكن الجزم بصحة نسبته من دون تأكيد رسمي، يضع صاحبه أمام انتقادات سياسية قوية، ليس فقط بسبب الأسماء التي وردت فيه، وإنما بسبب التوقيت والرسالة التي يوحي بها.
فكيف يمكن لشخصية سياسية وازنة أن تدخل مبكراً في تفاصيل الحكومة المقبلة، وتتحدث عن المراتب الانتخابية والحقائب الوزارية، بينما لم يضع المواطنون أوراقهم في صناديق الاقتراع بعد؟
المشكلة هنا ليست في أن الأحزاب تضع سيناريوهات لما بعد الانتخابات؛ فهذا جزء طبيعي من العمل السياسي. المشكلة تبدأ عندما يبدو الخطاب وكأن إرادة الناخب يمكن أن تصبح مجرد مرحلة شكلية تسبق توزيع الأدوار والمناصب.
والأكثر إثارة أن اسم فوزي لقجع يظهر في قلب هذه الحسابات.
لقجع، الذي راكم خلال السنوات الماضية تجربة واسعة في تدبير الملفات المالية والرياضية، لم يحتج إلى حملة دعائية كي يفرض نفسه اسماً حاضراً في النقاش العمومي. مساره المهني والمؤسساتي، ثم حضوره داخل المشهد الحزبي، جعلا منه رقماً يصعب تجاهله.
وهنا تحديداً تبدو حساسية الموقف.
فبدلاً من أن يكون النقاش حول ما يمكن أن يقدمه كل مسؤول للبلاد، يتحول الأمر إلى حديث عن من يستحق حقيبة ومن لا يستحقها، ومن ينبغي أن يبقى ومن ينبغي أن يبتعد. وكأن المشكلة لم تعد في الكفاءة والنتائج، وإنما في الحسابات السياسية الضيقة.
لقجع، سواء اتفق المرء مع كل خياراته أم اختلف معها، يمتلك شيئاً لا يمكن إنكاره بسهولة: تجربة عملية في ملفات معقدة، وحضوراً مؤسساتياً، وقدرة على إدارة مشاريع كبرى، فضلاً عن نجاحات واضحة في المجال الرياضي أعادت للكرة المغربية حضورها القاري والدولي.
والأهم أن الرجل لم يأتِ إلى النقاش السياسي من فراغ.
لقد أصبح لقجع اسماً مرتبطاً بمرحلة شهدت تحولات كبيرة في الرياضة المغربية، وبمشاريع وتنظيمات ونتائج جعلت المغرب يحضر بقوة على الساحة الرياضية الدولية. كما أن اشتغاله في المجال المالي والإداري جعله جزءاً من النقاش حول السياسات العمومية وتدبير الميزانية.
ولهذا فإن محاولة اختزال حضوره في مجرد طموح للحصول على حقيبة وزارية لا تنصف حجم المسار الذي راكمه.
أما الطالبي العلمي، فإن ما يثير الانتقاد في هذه الحالة ليس شخصه بقدر ما هو المنطق السياسي الذي يمكن أن يفهم من المنشور المتداول: منطق توزيع المواقع قبل أن يحدد الناخبون موازين القوى.
السياسة ليست ملكية خاصة، والحقائب الوزارية ليست غنائم حزبية، والمناصب العمومية لا ينبغي أن تكون موضوعاً لتصفية الحسابات أو لتحديد من يحق له الصعود ومن ينبغي أن يبقى في مكانه.
المواطن المغربي يريد حكومة قوية، ويبحث عن المسؤول الذي يستطيع أن يتحمل مسؤولية الملفات الثقيلة، لا عن صراعات جانبية حول الأسماء.
وإذا كان هناك اعتراض على فوزي لقجع أو على أدائه أو على اختياراته، فإن الطريق الطبيعي هو النقاش السياسي الواضح وتقديم البدائل والحجج. أما الإيحاء بأن حقيبة بعينها يجب أن تبقى بعيدة عنه، قبل أن تظهر نتائج الانتخابات وقبل أن تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة، فيعطي انطباعاً بأن الحسابات الشخصية والسياسية قد تتقدم أحياناً على منطق الكفاءة.
لقجع اليوم لا يحتاج إلى أن يقال إنه “مرشح” لهذه الوزارة أو تلك حتى يثبت حضوره. يكفي النظر إلى مساره في السنوات الماضية لفهم لماذا أصبح اسمه يثير كل هذا الجدل.
والمفارقة أن محاولة إبعاده من بعض المواقع، إن كانت هذه فعلاً هي الرسالة التي يقصدها المنشور المتداول، قد تمنحه أهمية سياسية أكبر بدل أن تقلل منها. فكلما ارتفع مستوى الهجوم على اسم معين، ازداد الفضول حول أسباب هذا الهجوم وحول ما يمثله ذلك الاسم داخل موازين القوى.
وفي السياسة، لا شيء يثير الانتباه أكثر من محاولة إغلاق الطريق أمام شخصية قبل أن يصل حتى إلى نقطة الانطلاق.
أما الطالبي العلمي، فإذا كان يريد خوض معركة سياسية حقيقية، فالمطلوب ليس رسم خطوط حمراء حول أسماء وحقائب قبل الانتخابات، وإنما الدخول إلى المنافسة بالأفكار والبرامج والنتائج. الناخب المغربي لا يحتاج إلى من يقرر له مسبقاً من يصلح ومن لا يصلح؛ فهو قادر على أن يختار، وبعد ذلك تبدأ مسؤولية الأحزاب في احترام نتائج اختياره.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن لقجع لا يعني منحه شيكاً على بياض، ولا يعني أن كل قراراته فوق النقد. لكن الإنصاف يقتضي تقييم الرجل على أساس تجربته وأدائه وكفاءته، وليس على أساس الحسابات الحزبية أو الخلافات السياسية.
الانتخابات لم تبدأ بعد، والحكومة المقبلة لم تتشكل، والحقائب لم توزع. لذلك فإن محاولة حسم كل هذه التفاصيل مسبقاً تبدو أقرب إلى استعراض سياسي منها إلى قراءة واقعية للمشهد.
الرسالة الأهم في النهاية بسيطة: المغرب يحتاج إلى الكفاءة قبل الولاءات، وإلى النتائج قبل الحسابات، وإلى التنافس على خدمة المواطنين قبل التنافس على المناصب.
وإذا كانت صناديق الاقتراع ستحدد من يتقدم ومن يتراجع، فإن الكفاءة والعمل والقدرة على تحمل المسؤولية هي التي يجب أن تحدد من يستحق أن يكون في الصفوف الأولى.
أما أن يبدأ البعض في إقصاء الأسماء وتوزيع الحقائب قبل أن ينطق الناخبون، فذلك تحديداً هو النوع من السياسة الذي يستحق النقد، لا الصمت.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار