أقلام حرة

الدولار لا ينهار… بل يُفلس الآخرين

حرب العملات التي تحكم العالم بلا جيش

«من يسيطر على العملة، لا يموّل اقتصاده فقط… بل يحدد من يدفع ثمن الزمن.»

في البداية، ليست هذه حكاية الدولار وحده،
ولا مجرد سردية عن صعود اليوان،
ولا نقاشًا تقنيًا معزولًا حول أسعار الصرف.

وعلى نحوٍ أعمق، يمكن القول إنها قصة النظام غير المرئي الذي يسمح للأزمات بأن تعبر الحدود بلا جواز سفر،
بينما يحرص — بدقة شديدة — على ألّا تمرّ الكلفة على الجميع بالقدر نفسه.

فعلى هذا الأساس، في عالمٍ تُطبع فيه النقود بوتيرة أسرع من إنتاج الثروة،
وتُموَّل فيه الحروب عبر الدَّين لا عبر الفائض،
وتُصدَّر فيه الصدمات المالية كما تُصدَّر السلع،
تغدو العملة سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا قبل أن تكون رقمًا في ميزان المدفوعات.

من هنا، لا يُقرأ كتاب «حرب العملات» لسونغ هونغ بينغ بوصفه نصًا اقتصاديًا تقنيًا،
بل باعتباره تشريحًا لبنية القوة في النظام الدولي الحديث:
من يجلس في مركز الطاولة،
ومن يُدفَع — بهدوء — إلى أطراف الهامش.

الأرجنتين: حين تتحول الدول إلى مختبرات للأزمات

على سبيل المثال، لعلّ الانهيار الكبير الذي عرفته الأرجنتين مطلع الألفية (2000–2002) يقدّم مثالًا صارخًا على هذه الدينامية.
خلال هذا الانهيار، ومع تفكك نظام ربط البيسو بالدولار، وانهيار الاحتياطيات، انفجر التضخم، وتهاوت القدرة الشرائية، ودخل المجتمع في أزمة وجودية شاملة.

مع ذلك، المفارقة الجوهرية تكمن في أن النظام المالي العالمي واصل عمله تحت قيادة العملة نفسها التي كانت أحد مفاتيح هذا الانهيار.
وبالتالي، لا نتحدث عن خلل محلي معزول، بل عن عدم تماثل بنيوي:
هيمنة نقدية لا تضرب الجميع بالحدة نفسها،
بل تحوّل دولًا بعينها إلى مختبرات مفتوحة للأزمات،
فيما تمتلك الدول المهيمنة هوامش واسعة لإعادة تدوير الخسائر على الآخرين عبر آليات الدَّين، والتسعير، والتجارة.

الإطار الفكري: العملة بوصفها سلطة

وعليه، ينطلق سونغ هونغ بينغ من أطروحة مركزية واضحة:
العملة ليست وسيط تبادل محايدًا،
ولا مخزن قيمة بريئًا،
بل أداة سيادة وهيمنة، وربما أنعم أسلحة القوة في التاريخ الحديث.

وبناءً على ذلك، يعيد المؤلف تعريف الصراعات الدولية بوصفها حروبًا نقدية صامتة، تُدار عبر أدوات غير عسكرية، من بينها:

  • أسعار الصرف
  • الاحتياطيات الأجنبية
  • الديون السيادية
  • التحكم في السيولة العالمية

هكذا، لا تُقاس القوة فقط بعدد حاملات الطائرات،
بل بالقدرة على تحديد قواعد اللعبة النقدية.

حكم الدولار دون رصاصة

يرى سونغ أن الولايات المتحدة شيدت نظامًا يسمح لها بتمويل نفسها من العالم بثلاث آليات مترابطة:

أولًا، الدولار كعملة احتياط عالمية، ما يمنح واشنطن امتياز طباعة عملتها دون تحمّل الكلفة التضخمية نفسها التي تواجهها الدول الأخرى.
ثانيًا، سوق السندات الأميركية، التي تمتص فوائض العالم وتعيد تدويرها داخل الاقتصاد الأميركي.
ثالثًا، تدويل الأزمات: فكلما اندلعت أزمة عالمية، ارتفع الطلب على الدولار بوصفه «الملاذ الأخير».

بهذا المعنى، يتحول العجز الأميركي من علامة ضعف إلى أداة قوة ممنهجة.

قراءة نقدية في أطروحة سونغ

نقاط القوة

  • إعادة السياسة إلى قلب الاقتصاد النقدي
  • تفكيك أسطورة حياد الأسواق
  • الربط بين الأزمات المالية وبنية النظام الدولي

نقاط الضعف

  • ميل أحيانًا إلى التفسير الشخصاني بدل البنيوي
  • ضعف الإسناد الأكاديمي في بعض المواضع
  • تجاهل نسبي لدور التكنولوجيا، خصوصًا العملات الرقمية السيادية (CBDC)

العملات الرقمية: الجبهة الجديدة لحرب العملات

تمثل العملات الرقمية السيادية المرحلة المقبلة من الصراع النقدي، عبر:

  • تقليص الاعتماد على الدولار
  • كسر هيمنة أنظمة الدفع التقليدية
  • تعزيز السيادة النقدية للدول

لكنها، في الوقت ذاته، تفتح بابًا جديدًا لإعادة إنتاج الهيمنة بأدوات مختلفة.

آسيا وأفريقيا: مساران غير متماثلين

بينما آسيا تشهد:

  • فك ارتباط تدريجي عن الدولار
  • اتفاقيات تجارية بالعملات المحلية
  • صعود مؤسسات تمويل بديلة

على النقيض، تبقى أفريقيا:

  • أكثر هشاشة أمام تقلبات الدولار
  • لكنها تملك فرصًا لسلات عملات وتسويات إقليمية
  • وقد تتحول إلى مختبر النظام النقدي القادم

مقارنة دولية مختصرة

المعيار الدولار اليورو اليوان
الهيمنة الحالية مرتفعة جدًا متوسطة صاعدة
الانتشار عالمي إقليمي–دولي ثنائي–إقليمي
الأفق المستقبلي تراجع نسبي استقرار صعود تدريجي

استشراف 2030–2035

  • تعددية مُدارة: استمرار الدولار مع صعود تدريجي لعملات أخرى
  • تفكك نقدي: تكتلات إقليمية وتراجع الثقة
  • الصدمة الكبرى: إعادة تأسيس النظام النقدي عالميًا

مناظرة عالمية: صوتان متقابلان

■ العملة كأداة هيمنة
(سونغ هونغ بينغ – سوزان سترينج – باري آيكنغرين)
النظام النقدي ليس محايدًا، بل مصمم لتمكين مركز القوة من تمويل نفسه عبر الآخرين.

■ العملة كثمرة استقرار
(روبرت كيوهين – جوزيف ناي – بول كروغمان)
هيمنة الدولار نتاج ثقة مؤسساتية، والبدائل تفشل بسبب هشاشتها الداخلية.

الهيمنة لا تقوم بلا قوة، لكنها لا تعيش بلا قبول.

رأي التحرير

خلاصة القول، هذا المقال لا يروّج لانهيار وشيك،
ولا يبشّر بعملة خلاص.

بل يطرح سؤال المرحلة:
إذا كانت الهيمنة النقدية قائمة على قبول الآخرين،
فماذا يحدث حين يبدأ هذا القبول في التآكل؟

مع ذلك، التآكل لا يأتي بانفجار،
بل بتغيّر بطيء في القواعد،
حيث لا يسقط النظام فجأة،
بل يصبح أكثر كلفة لمن هم خارجه.

في النهاية، لم يعد السؤال:
هل سيسقط الدولار؟

بل:
من سيدفع ثمن بقائه؟
ومن سيظل قادرًا على تأجيل الفاتورة؟

فكل أزمة جديدة تعيد طرح السؤال على شعوب مختلفة،
وتكشف أن العدالة النقدية ليست جزءًا تلقائيًا من النظام.

هنا، يتقرر مستقبل العملة…
ومستقبلنا جميعًا.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار