حزب العدالة والتنمية: الإسلام السياسي بين شرعية النضال ومحنة التدبير
الأحزاب المغربية تحت المجهر
تقدّم سلسلة “الأحزاب المغربية تحت المجهر” التي تطلقها DairaNews قراءة تحليلية للمشهد الحزبي المغربي، بعيدًا عن أي انحياز أو تفضيل.
يعتمد ترتيب الأحزاب على معايير موضوعية تشمل الوزن السياسي، الحضور البرلماني، والتنوّع الإيديولوجي، بهدف تعميق الفهم وإحياء النقاش حول مستقبل العمل الحزبي في المغرب.
المقال 4: حزب العدالة والتنمية: الإسلام السياسي بين شرعية النضال ومحنة التدبير
من المساجد إلى البرلمان، ومن الشارع إلى رئاسة الحكومة، عاش حزب العدالة والتنمية واحدة من أكثر التجارب السياسية درامية في تاريخ المغرب الحديث.
فمن حزبٍ مغمور في الهامش إلى قيادة دولتين متتاليتين، ثم سقوطٍ انتخابي مدوٍ سنة 2021، يطرح السؤال الجوهري نفسه:
هل انتهت تجربة الإسلام السياسي في المغرب، أم أنها بصدد إعادة التشكل بصيغة جديدة؟
1. الهوية التاريخية والنشأة الفكرية
يعود أصل الحزب إلى الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية التي أسسها الدكتور عبد الكريم الخطيب سنة 1967، قبل أن تنفتح في التسعينيات على التيار الإسلامي القادم من حركة “الإصلاح والتجديد”، في سياق وطني اتسم بصعود الحركات الإسلامية بالمنطقة.
وفي سنة 1998، تم تغيير الاسم رسميًا إلى حزب العدالة والتنمية، ليصبح الممثل السياسي للتيار الإسلامي المعتدل في المغرب، المعترف به رسميًا داخل اللعبة الديمقراطية.
تحليل:
التحالف بين الفكر الإسلامي الإصلاحي والتجربة السياسية للخطيب شكّل عبقرية تأسيسية للحزب، جعلته تيارًا “مؤسساتيًا” داخل النسق، بدل أن يكون حركة احتجاجية خارجه، كما حدث في بلدان عربية أخرى.
2. البنية التنظيمية والثقافة الداخلية
يتوفر الحزب على واحدة من أكثر البنى التنظيمية انضباطًا في الساحة السياسية المغربية:
▪︎ هرمية تنظيمية دقيقة (فروع محلية، جهوية، وطنية).
▪︎ مؤتمرات دورية وانتخابات داخلية صارمة.
▪︎ انخراط واسع للشباب والنساء عبر منظمتي الشبيبة والإصلاح والتوحيد.
لكن هذا الانضباط التنظيمي أخفى أيضًا توترات فكرية خفية بين جناح الدعوة وجناح السياسة، خصوصًا بعد تولي الحزب قيادة الحكومة سنة 2011، حيث بدأت تظهر أولى علامات “التصادم بين المبادئ والمصالح”.
تحليل تنظيمي:
حزب العدالة والتنمية يُعدّ نموذجًا في التنظيم والتعبئة، لكنه فشل في تطوير مرونة سياسية تتناسب مع منطق السلطة، مما جعل تجربته الحكومية تعيش صدامًا دائمًا بين الخطاب والممارسة.
3. المرجعية الفكرية والبرنامج السياسي
يرتكز الحزب على المرجعية الإسلامية الإصلاحية، التي ترى السياسة مجالًا لخدمة القيم والأخلاق وتحقيق التنمية العادلة.
لكن مع الزمن، تحوّل الخطاب من “المشروع الأخلاقي” إلى “إدارة الواقع”، خاصة بعد دخوله الحكومة سنة 2011 في ظل الربيع العربي.
برامجه الانتخابية ركّزت على:
▪︎ محاربة الفساد وتعزيز الشفافية؛
▪︎ توسيع الطبقة الوسطى وتحفيز الاستثمار الوطني؛
▪︎ إصلاح التعليم والعدالة؛
▪︎ الحفاظ على الهوية والقيم ضمن مشروع تنموي.
تحليل فكري:
المفارقة الكبرى أن الحزب الذي وعد بمحاربة الفساد وجد نفسه في مواجهة منظومة مؤسساتية أوسع من قدرته على التغيير، فاضطر إلى التكيّف بدل المواجهة، وهو ما أضعف رصيده الأخلاقي لدى قواعده.
4. الحضور الانتخابي والسياسي
منذ دخوله المعترك الانتخابي سنة 1997، عرف الحزب مسارًا تصاعديًا مذهلًا:
▪︎ 1997: دخول رمزي إلى البرلمان.
▪︎ 2002: المرتبة الثالثة.
▪︎ 2011: الحزب الأول (107 مقاعد) وتشكيل الحكومة بقيادة عبد الإله بنكيران.
▪︎ 2016: تجديد الثقة الشعبية رغم الضغوط (125 مقعدًا).
▪︎ 2021: انهيار تاريخي (13 مقعدًا فقط).
تحليل سياسي:
السقوط المدوي سنة 2021 لم يكن مجرد هزيمة انتخابية، بل صدمة نفسية وسياسية أنهت مرحلة الإسلام السياسي كفاعل مركزي في الحكم، وفتحت نقاشًا داخليًا حول معنى المشاركة وجدوى التواجد في السلطة.
تفسير أعمق:
الناخب المغربي عاقب الحزب ليس فقط على أدائه الحكومي، بل على الهوة بين خطابه الإصلاحي وممارساته الواقعية، خصوصًا في قضايا مثل التطبيع، التعليم، والضرائب.
5. الصورة الإعلامية والاتصال السياسي
نجح الحزب في بداياته في استثمار وسائل التواصل الاجتماعي بذكاء، خاصة خلال فترة بنكيران التي امتاز فيها الخطاب بالبساطة والصدق والعفوية، ما جعله قريبًا من نبض الشارع.
لكن بعد 2017، ومع صعود سعد الدين العثماني، تغيّر الخطاب الإعلامي نحو لغة تكنوقراطية باهتة، فقد معها الحزب جزءًا من جاذبيته الشعبية.
كما لم يتمكن من مجاراة الحملات الرقمية المنظمة للأحزاب المنافسة سنة 2021.
تحليل تواصلي:
حزب العدالة والتنمية كان “ظاهرة تواصلية” قبل أن يكون “ظاهرة سياسية”، وسقوطه تواصلي قبل أن يكون انتخابيًا.
فقد خسر الثقة والرمزية في الفضاء الرقمي، وهو الميدان الذي صنع صعوده.

6. التحديات الراهنة والرهانات المستقبلية
1. أزمة القيادة والرمزية: غياب شخصية جامعة بعد بنكيران.
2. تجديد المشروع الفكري: الانتقال من الإسلام السياسي إلى “قيم التنمية والشفافية”.
3. استعادة الثقة: مع قواعده ومع المجتمع بعد تجربة الحكم.
4. إعادة التموضع: هل يبقى حزبًا معارضًا أخلاقيًا أم يعود تدريجيًا إلى الوسط السياسي؟
تحليل استراتيجي:
الحزب أمام خيارين وجوديين:
إما أن يتحوّل إلى قوة فكرية إصلاحية خارج منطق السلطة،
أو يذوب في المشهد كحزب إداري بلا هوية، يفقد كل ما ميّزه خلال العقد الماضي.
يظل حزب العدالة والتنمية تجربة فريدة في تاريخ الإسلام السياسي العربي، إذ استطاع الوصول إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع دون صدام مع النظام، لكنه فشل في إدارة التوازن بين الشرعية الأخلاقية والبراغماتية السياسية.
سقوطه ليس نهاية الفكرة، بل لحظة مراجعة عميقة ستحدّد مستقبل العلاقة بين الدين والسياسة في المغرب.
إن الحزب اليوم أمام تحدٍ وجودي:
إما أن يُعيد بناء ذاته كـ”حركة قيم” عابرة للسلطة،
أو يظلّ أسير تجربة حكم أرهقته أكثر مما قوّته.
بطاقة تعريف مختصرة
الاسم الكامل: حزب العدالة والتنمية
سنة التأسيس: 1998 (امتداد للحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية)
المرجعية الفكرية: إسلامية إصلاحية معتدلة
الزعيم التاريخي: عبد الإله بنكيران
الأمين العام الحالي: عبد الإله بنكيران
الذراع الدعوي: حركة التوحيد والإصلاح
المقر المركزي: الرباط
عدد المقاعد في البرلمان: (2021) 13 مقعدًا
الشعار: “الإصلاح في ظل الاستقرار”
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار