أقلام حرة

زلزال قانوني عابر للحدود… دعم أوروبي يهز نقاش إصلاح المحاماة في المغرب

“استقلال المحاماة ليس امتيازاً مهنياً… بل ضمانة دستورية لحرية المواطن قبل أن يكون حقاً للمحامي.”

فقيه في القانون الدستوري

زلزال قانوني عابر للحدود… دعم أوروبي يهز نقاش إصلاح المحاماة في المغرب

في خطوة تحمل أبعاداً قانونية ومؤسساتية عابرة للحدود، أصدر المجلس الوطني لنقابات المحامين بفرنسا قراراً رسمياً. يعلن القرار دعمه لجمعية هيئات المحامين بالمغرب. جاء ذلك في سياق النقاش الدائر حول مشروع قانون إصلاح مهنة المحاماة. هذا القرار، إضافةً إلى طابعه المهني، يعكس رؤية أوروبية واضحة لمفهوم استقلال المهن القضائية. كما يبرز دورها في حماية دولة القانون. واعتمدت الجمعية العامة القرار في باريس يوم السادس من فبراير 2026، ما يمنحه وزناً رمزياً ومؤسساتياً في آنٍ واحد.

خلفية القرار وسياقه

يأتي هذا الموقف في ظل نقاش مهني وقانوني محتدم داخل المغرب بشأن مشروع قانون ينظم مهنة المحاماة. ومن جهة أخرى، رافقت هذا النقاش تحركات مهنية وإضرابات. عبّرت هذه التحركات عن مخاوف تتعلق باستقلالية الهيئات المهنية وطبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والجسم المهني للمحامين. وفوق ذلك، استند القرار الفرنسي في ديباجته إلى مبادئ دولية مرجعية. من بينها المبادئ الأساسية لدور المحامين التي أقرها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين سنة 1990 في هافانا. هذا الاستدعاء يضع النقاش ضمن إطار كوني لا محلي فقط.

جوهر الملاحظات الفرنسية

ركزت الوثيقة الصادرة عن المجلس الوطني الفرنسي على عدة نقاط محورية. ويمكن تلخيصها في ثلاثة أبعاد رئيسية:

1. الاستقلال المهني

عبّر المجلس عن قلقه من بعض المقتضيات التي قد تمس مبدأ الاستقلال الذاتي للمهنة. يشمل ذلك الولوج إلى المهنة وآليات التأديب والتكوين. وبالتالي يعكس هذا الطرح حساسية أوروبية تقليدية تجاه أي تداخل محتمل للسلطة التنفيذية في تنظيم المهن القانونية.

2. مفهوم التنظيم الذاتي

شدّد القرار على أهمية التنظيم الذاتي للمحامين. اعتبره ركيزة لضمان استقلال العدالة نفسها، وليس فقط استقلال المهنة. وفي هذا السياق تنظر الفلسفة القانونية الغربية إلى المحامي كفاعل مؤسساتي موازٍ للقضاء. ولا تعتبره موظفاً إدارياً تابعاً له.

3. الدعوة إلى المقاربة التشاركية

أبرزت الوثيقة ضرورة إشراك الهيئات التمثيلية للمحامين في أي إصلاحات تمسهم مباشرة. ومن ناحية عملية، لا ينجح الإصلاح القانوني الفعّال دون توافق مهني ومؤسساتي. هذا التوافق يضمن التوازن بين التحديث والحفاظ على الضمانات الأساسية.

ما وراء التضامن: أبعاد دبلوماسية ومهنية

رغم الطابع المهني للقرار، فإن صدوره عن مؤسسة فرنسية بهذا الوزن يمنحه بعداً دبلوماسياً غير مباشر. تمتد العلاقات القانونية بين فرنسا والمغرب تاريخياً عبر تبادل الخبرات والمرجعيات التشريعية. ومن ثمّ يصبح أي موقف فرنسي في هذا المجال محملاً بإشارات تتجاوز حدود التضامن النقابي. إضافة إلى ذلك، يعكس هذا النوع من القرارات شبكة تضامن مهني دولي بين نقابات المحامين. ويُنظر إلى استقلال المهنة كقيمة عابرة للحدود في ظل العولمة القانونية.

بين الإصلاح والسيادة

من زاوية أخرى يفتح القرار نقاشاً أوسع حول التوازن بين حق الدول في إصلاح أنظمتها القانونية وفق خصوصياتها الوطنية، وبين الالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة باستقلال العدالة والمهن القانونية. وهنا تحديداً يظهر التحدي الحقيقي. يتمثل في قدرة الأنظمة القانونية الحديثة على التوفيق بين الاعتبارات السيادية والالتزامات الأخلاقية والمهنية الدولية دون فقدان هويتها التشريعية.

رأي خبير

يرى مختصون في القانون العام أن إصلاح مهنة المحاماة يجب أن يقوم أولاً على الحوار المؤسساتي، ثم على التدرج التشريعي. فالثقة في العدالة لا تُبنى بالنصوص وحدها. بل تُبنى أيضاً بإحساس الفاعلين القانونيين بالأمان المهني والاستقلال الوظيفي.

لا يُقرأ قرار المجلس الوطني لنقابات المحامين بفرنسا فقط كوثيقة تضامن. بل يُفهم كذلك كمؤشر على حساسية الإصلاحات القانونية المرتبطة بالمهن القضائية دولياً. يعكس القرار رؤية تعتبر أن قوة العدالة لا تُقاس بصرامة القوانين فقط. وإنما تُقاس أيضاً بمدى استقلال الفاعلين فيها، وعلى رأسهم المحامون. وبينما يظل مسار الإصلاح شأناً سيادياً مغربياً، تتردد أصداؤه المهنية بوضوح في الفضاء القانوني الدولي. وهذا يؤكد أن مهنة المحاماة أصبحت جزءاً من منظومة عدالة عالمية مترابطة.

رأي هيئة التحرير

ترى هيئة التحرير أن المواقف المهنية الدولية، خصوصاً في مهن العدالة، لا ينبغي فهمها كتدخل بقدر ما ينبغي قراءتها كمؤشرات على أهمية التوازن بين الإصلاح والاستقلال. فالتحديث التشريعي ضرورة، غير أنّه يفقد قيمته إذا أضعف ثقة الجسم المهني المعني به. وفي المقابل، فإن رفض كل تغيير بدعوى الحماية المطلقة للاستقلال قد يجمّد تطور المهنة. المعادلة الحقيقية تكمن في إصلاح تشاركي شفاف يربط بين المعايير الدولية والخصوصية الوطنية، لأن العدالة الحديثة لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل تُبنى كذلك بثقة من يمارسونها ومن يلجؤون إليها.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار