زيارة مقابر شهداء الوحدة الترابية.. حين يدرك الإنسان معنى التضحية والوفاء الذي قوبل بالخذلان والجفاء
بقلم: احمزاوي محمد
في إطار الزيارة الميدانية التي قمنا بها، رفقة إخواننا في الجمعية الوطنية لأسر شهداء ومفقودي وأسرى الصحراء المغربية، إلى عدد من مقابر شهداء الوحدة الترابية بالأقاليم الجنوبية، والتي شملت مناطق بطيح، السمارة، جديرية، الحوزة، المحبس، توزكي، تكالت النخلة، والعيون، وقفنا بخشوع وإجلال أمام قبور آبائنا، شهداء صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وضحوا بأرواحهم دفاعًا عن الوطن ووحدته الترابية.
لقد كانت هذه الزيارة لحظة مؤثرة أعادت إلى الأذهان حجم التضحيات الجسام التي قدمها أفراد القوات المسلحة الملكية خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1975 و1991، من أجل استرجاع آلاف الكيلومترات من الأقاليم الجنوبية، وترسيخ الأمن والاستقرار الذي تنعم به المملكة اليوم. وهناك أدركنا بحق المكانة السامية التي تحتلها القوات المسلحة الملكية، باعتبارها الحصن المنيع للوطن، والمدافع الأمين عن وحدته وسيادته.
غير أن مشاعر الفخر والاعتزاز امتزجت بالحزن والأسى، ونحن نستحضر مقولة المغفور له الحسن الثاني: «على الجندي أن يذهب إلى الحرب وهو مطمئن على أسرته».
ونستحضر واقع أرامل وأبناء شهداء الوحدة الترابية، الذين لا يزالون، بعد مرور أكثر من أربعة عقود، يطالبون بحقوق مستحقة، وفي مقدمتها الحق في التعويض عن الاستشهاد وعن عدم المواكبة، والحق في السكن اللائق، وفرص التشغيل، والمواكبة الاجتماعية، بما يضمن لهم العيش الكريم الذي يليق بتضحيات آبائهم.
وتتساءل الأسر: لماذا لم تستفد أرامل وأبناء شهداء الوحدة الترابية، الذين استشهدوا بين سنتي 1975 و1991، من حقوقهم؟ ومن سيعوضهم عن سنوات طويلة من الانتظار والمعاناة والتشرد والحرمان؟ وهي أسئلة مشروعة تعكس تطلع هذه الأسر إلى إنصاف حقيقي يحفظ كرامتها، ويجسد الوفاء لتضحيات الشهداء، لا ذرّ الرماد في العيون والتبجح بامتيازات واهية.
ورغم ما حظيت به هذه الفئة من توجيهات ومذكرات سامية، من بينها المنشور الوزاري رقم 1201 بتاريخ 4 دجنبر 1987، والمذكرة الملكية رقم 2642 بتاريخ 10 ماي 2001، وتعليمات وزارة الداخلية بتاريخ 22 غشت 2001، والمذكرة الملكية رقم 5359 بتاريخ 5 يونيو 2007، والتعليمات الملكية رقم 5497 بتاريخ 28 مارس 2013، ثم التعليمات الملكية الصادرة بتاريخ 25 يونيو 2021، التي هدفت إلى تحسين أوضاع أرامل وأبناء شهداء الوحدة الترابية، خاصة فيما يتعلق بالسكن والرعاية الاجتماعية.
كما أكد الأمر اليومي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، بمناسبة الذكرى السادسة والستين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، على تمكين عائلات شهداء الأمة من السكن المجاني، في تجسيد للعناية الملكية الموصولة بهذه الفئة.
ورغم هذه المبادرات والتوجيهات السامية، فإن الكل ينتظر تجسيدها على أرض الواقع، ومحاسبة كل من يقف حجر عثرة أمام تنفيذها، أو يماطل في تنفيذها.
وانطلاقًا من قيم الوفاء والاعتراف، فإن أسر الشهداء تتطلع إلى إنصاف حقيقي وواقعي وفعلي، يليق بجسيم التضحيات، إنصاف حقيقي نابع من مطالب الأسر، يخرج هذه الفئة من براثن التفقير والتهميش واللامبالاة، ومن الوضع المزري والكارثي الذي تعاني منه، في ظل تقصير المؤسسات المسؤولة، رغم صلتها المباشرة بأم القضايا الوطنية.
إن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يقتصر على زيارة قبورهم أو استحضار بطولاتهم، بل يتجسد أيضًا في صون كرامة أسرهم، والعناية بأراملهم وأبنائهم، وتمكينهم من حياة كريمة، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم دفاعًا عن الوطن ووحدته الترابية.
رحم الله شهداء الوحدة الترابية، وأسكنهم فسيح جناته، وحفظ الله القوات المسلحة الملكية، وحفظ الله صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وجعل الوفاء للشهداء وأسرهم قيمة راسخة في وجدان الأمة.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار