سوق عكاظ الانتخابي
حين تُباع الوعود بلا فاتورة
مقال رأي سياسي ساخر يتخلله الزجل المغربي
البرنامج اللي ما فيه لا كلفة لا زمان
يبقى قصيدة مزوّقة، ماشي عقداً مع الإنسان
تنبيه تحريري: الحوارات الواردة في هذا المقال تخييلية، وتندرج ضمن البناء الساخر، ولا تنسب إلى أشخاص أو أحزاب بعينها.
في اليوم الثالث عشر السابق للاقتراع، فُتحت أبواب سوق عكاظ الانتخابي.
لم يعرض السوق هذه المرة الخيل الأصيلة، ولا السيوف اللامعة، ولا العطور القادمة من طرق القوافل. بدلاً من ذلك، عُرضت بضاعة أكثر لمعاناً وأشد حساسية: الوعود، والشعارات، والأرقام، وصور المستقبل.
كان الموعد محدداً في الثالث والعشرين من شتنبر 2026، لانتخاب 395 عضواً في مجلس النواب، بمشاركة 27 حزباً. أما الحملة الانتخابية الرسمية، فتمتد من العاشر إلى الثاني والعشرين من شتنبر، قبل أن تصمت المنصات وتتكلم صناديق الاقتراع. [1]
اصطف الخطباء في الساحة الكبرى. حمل كل واحد منهم راية حزبه وكيساً من الأرقام. تقدم الأول، ورفع صوته حتى اهتزت نوافذ الدكاكين:
— يا معشر الناخبين، سنفتح أبواب العمل حتى تضيق مكاتب التشغيل بالموظفين! وسنجعل الصحة قريبة من كل بيت، والتعليم قوياً كحصان عربي أصيل، والأسعار هادئة كحمامة على غصن!
رفع شيخ من أهل السوق عصاه وسأله:
— وما اسم هذا الحصان؟
أجابه الخطيب بثقة:
— اسمه البرنامج الانتخابي.
فقال الشيخ:
— وهل يُركب، أم يُعلّق على الجدران؟
ضحك الناس، باستثناء أنصار الخطيب؛ فقد كانوا منشغلين بتوزيع المنشورات والتقاط الصور.
من شعار لشعار، تبدّلات الرايات
ومن وعد لوعد، كثرت الحكايات
قالوا غادي نصلحو الحال، ونردّو الحق لأهلو
والناخب قال: ورّيوْنا الفعل، ماشي غير أقوالاتو
حصان البرنامج
يملك البرنامج الانتخابي وظيفة أساسية: أن يحوّل الرغبة السياسية إلى التزام قابل للنقاش. غير أن السوق الانتخابي يختصر أحياناً هذه الوظيفة في عناوين براقة، وأرقام كبيرة، وعبارات تصلح للتصفيق أكثر مما تصلح للتنفيذ.
فالبرنامج الجاد لا يكتفي بالقول: «سنحسن الصحة». بل يشرح أين سيبني المراكز، وكيف سيؤهل الموارد البشرية، وما الذي سيغيره في مسار العلاج، ومتى يستطيع المواطن قياس النتيجة.
ولا يكتفي بالقول: «سنخلق فرص العمل». بل يحدد القطاعات المعنية، ومصادر الاستثمار، والفئات المستفيدة، والجهة المكلفة بالتنفيذ، والمدة اللازمة للوصول إلى الهدف.
أما حين يتحول البرنامج إلى قائمة أمنيات، فإن الحصان يبقى مرسوماً على الورق، والناخب يظل واقفاً أمامه، لا يعرف هل يركبه أم يعلقه في غرفة الذكريات.
المشكلة، إذن، لا تكمن في كثرة الوعود وحدها، بل في غياب الفارق الواضح بين الوعد السياسي والالتزام القابل للمحاسبة.
بائع المليون
ثم تقدم منادٍ يلبس عباءة الأرقام، ويحمل لفافة طويلة كُتبت عليها وعود اقتصادية لا تكاد تنتهي.
صاح بأعلى صوته:
— من يشتري مليون منصب شغل؟ مليون فقط! ومن يطلب اثنين فله وعدان، ومن يطلب ثلاثة فله تحالف حكومي!
تقدم شاب من آخر الصف وسأله:
— هل المناصب جاهزة، أم ما تزال في الطريق؟
أجابه المنادي:
— هي في الطريق منذ الحملة الماضية، لكن القافلة ضلّت بين الأرقام واللجان.
تدخل كاتب عجوز كان يجلس قرب ميزان قديم:
— إن الوعد بلا جدول زمني يشبه دَيناً بلا تاريخ أداء؛ يفرح به صاحبه يوم التوقيع، وينساه يوم المطالبة.
لا ننسب هذا الحوار إلى حزب بعينه. فالمشهد هنا رمز لثقافة انتخابية تجعل الرقم بطل الخطاب، حتى قبل أن تشرح شروط إنتاجه.
لقد تناولت تغطيات صحفية مغربية الوعود المرتبطة بالتشغيل، وخفض البطالة، وتحسين القدرة الشرائية، كما ناقشت استعمال الأرقام في البرامج الحزبية بين التنافس السياسي والمزايدة الانتخابية. [2][3]
ومع ذلك، لم يعد الناخب يسأل فقط: «كم ستخلقون من منصب؟» بل صار يطرح أسئلة أكثر إحراجاً:
كيف؟ وبأي ميزانية؟ وفي أي مدة؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا بقي الرقم حبراً على ورق؟
فالرقم لا يصبح سياسة بمجرد طباعته في برنامج انتخابي. إنه يحتاج إلى تمويل، ومؤسسة مسؤولة، وجدول زمني، ومؤشرات قياس، وآلية معلنة للمحاسبة.
المليون فالسوق، والرقم لابس جلابية
كل حزب زاد فيه، وقال: هادي هي القضية
ولكن الخدمة يا سادة، ما كتخرجش من الكلام
المنصب خاصّو مصنع، وميزانية، ونظام
مزاد الضرائب
وفي زاوية أخرى من السوق، أقيم مزاد كبير على الضرائب.
قال حزب:
— سنخفف العبء عن المواطن!
فرد حزب آخر:
— بل سنخفض الضرائب أكثر!
وتدخل ثالث قائلاً:
— بل سنجعل الضريبة خفيفة حتى لا يشعر بها أحد!
سأل تاجر كان يحسب أرباحه على دفتر صغير:
— ومن سيدفع ثمن المدارس والمستشفيات والطرقات؟
ساد الصمت لحظة.
ثم صرخ أحد منظمي الحملة:
— لا تفسدوا علينا الحملة بالتفاصيل!
فالتفاصيل، في سوق الانتخابات، ضيف ثقيل. إنها لا ترفع الرايات، ولا تصفق، ولا تصلح دائماً لمقطع قصير على الهاتف. أما الشعار، فهو خفيف؛ يسافر في الهواء ولا يطلب جدولاً للتمويل.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن خفض الضرائب أو رفع الأجور أو توسيع الدعم قد يمثل اختيارات سياسية مشروعة. الخلاف لا يدور حول حق الأحزاب في اقتراحها، بل حول واجبها في شرح كلفتها وآثارها.
فكل تخفيض ضريبي يعني موارد أقل للخزينة، وكل زيادة في الأجور تحتاج إلى تمويل مستدام، وكل توسع في الدعم يتطلب تحديداً دقيقاً للفئات المستفيدة، حتى لا يتحول إلى عبء دائم أو منفذ جديد للريع.
لذلك، لا يكفي أن يقول السياسي: «سنمنح». عليه أن يشرح أيضاً: «من أين؟ وإلى متى؟ وبأي شروط؟».
وتخضع الحملات الانتخابية، من حيث المبدأ، لقواعد تتعلق بسقف الإنفاق، ومصادر التمويل، وتوثيق المصاريف، وتتبع استعمال الدعم العمومي. كما تفرض القواعد الانتخابية تقديم بيانات مرتبطة بمصادر تمويل الحملة وأوجه صرفها. [4]
غير أن وجود القاعدة القانونية لا يغني عن الثقافة السياسية. فالقانون يضع الحدود، أما الشفافية الحقيقية فتبدأ عندما يقبل الفاعل السياسي بأن يعرف المواطن من موّل حملته، وكيف صُرف المال، وما إذا تحولت الموارد إلى وسيلة لإقناع الناخب أم إلى أداة للتأثير في إرادته.
قالو نقصو الضريبة، والضحكة عمّت البلاد
والتاجر قال: مرحبا، ولكن شكون يخلّص العتاد؟
إلى بغيتو مدرسة وصحة، وطرقات بلا عوج
خاص الحساب يكون واضح، ماشي غير كلام مفروج
المال الذي لا يظهر في الصورة
في السوق الانتخابي، تظهر اللافتة، ولا يظهر دفتر الحساب.
يظهر المهرجان، ولا يظهر مصدر تمويله. تظهر السيارات ومكبرات الصوت والمنشورات والإعلانات الرقمية، بينما يختفي السؤال البسيط: من دفع؟ وكيف سُجل الإنفاق؟ وهل استفاد جميع المتنافسين من شروط متقاربة؟
لا يعني ذلك أن كل إنفاق انتخابي مشبوه. فالحملة تحتاج إلى موارد، والتواصل مع الناخبين يحتاج إلى وسائل، والوصول إلى مناطق واسعة يفرض نفقات واقعية.
لكن المال يصبح خطراً عندما يقرر مسبقاً من يستطيع الوصول إلى المواطن، أو عندما يغطي ضعف البرنامج، أو عندما يتحول إلى هدايا ومنافع ووعود شخصية.
هناك فرق واضح بين أن يدفع المرشح ثمن نشر برنامجه، وأن يدفع ثمن ولاء الناخب. الأول جزء من المنافسة السياسية، أما الثاني فيحوّل الصوت من حق مدني إلى سلعة.
ومن هنا، فإن محاربة شراء الأصوات لا تبدأ فقط عند باب مكتب التصويت. إنها تبدأ أيضاً من مراقبة الخطاب الذي يربط التصويت بمنفعة عاجلة، أو بوعد بوظيفة، أو بخدمة شخصية، أو بمساعدة مشروطة.
المال إلى دخل للسوق، خاصّو يبقى معروف
ماشي يلبس قناع، ويمشي فالدروب مخفي ومصروف
اللي بغا صوت المواطن، يقنعو بالبرنامج
ماشي بالهدية والوعود، ولا بالمال المفرّج
شاعر القبيلة الرقمية
لم يعد المنبر مصنوعاً من الخشب، ولا المهرجان مقصوراً على ساحة واحدة.
دخل إلى السوق شاعر جديد يحمل هاتفاً ذكياً، وقال:
— أنا لا أحتاج إلى ألف مستمع. يكفيني مقطع قصير، ووجه مبتسم، وموسيقى حماسية، ووسم يركض بين الناس.
ثم نشر صورة لمدينة لا غبار فيها، ومدرسة لا ينقصها شيء، ومستشفى لا ينتظر فيه مريض، وكتب تحتها:
غداً يبدأ المغرب الجديد.
سأله صبي كان يتأمل الصورة:
— ومن صمّم هذه المدينة؟
أجابه الشاعر:
— الذكاء الاصطناعي.
قال الصبي:
— ومن سيديرها؟
ابتسم الشاعر وقال:
— ذلك سؤال ما بعد الانتخابات.
لقد انتقلت الحملة الانتخابية إلى فضاء جديد يجمع بين الحضور الميداني، والبرنامج السياسي، والصورة الرقمية، وسرعة الانتشار. ولم يعد المواطن يواجه خطاباً سياسياً فقط، بل يواجه أيضاً مقاطع مقتطعة، وصوراً منتقاة، وعناوين مثيرة، ومعلومات قد تنتشر قبل أن تجد من يتحقق منها.
لذلك، أصبح الناخب مطالباً بامتلاك مهارة سياسية وإعلامية في آن واحد: أن يميز بين البرنامج والإعلان، وبين الحقيقة والانطباع، وبين الإنجاز الموثق والصورة المصممة.
ومع ذلك، لا ينبغي تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية التضليل. فالمنصة لا تنتج الوهم من تلقاء نفسها؛ إنها تضخم خطاباً موجوداً، وتمنحه سرعة وانتشاراً، وقد تكافئ أحياناً الأكثر إثارة لا الأكثر دقة.
فالفايسبوك دار سوق، والستوري ولات منبر
صورة فيها الفردوس، والواقع باقي محيّر
ماشي كل ما بان فالشاشة، يكون صحيح ومضمون
العين تشوف الصورة، والعقل يسول: شكون؟
السوق الرقمي له قانون
لا يتحرك النقاش الانتخابي الرقمي في فراغ قانوني كامل.
فقرار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري رقم 26-50، المتعلق بالانتخابات التشريعية لسنة 2026، شدد على التعددية والتوازن والنزاهة والموضوعية في البرامج السمعية البصرية. كما دعا إلى مواجهة الأخبار الزائفة التي قد تؤثر في السير العادي للانتخابات أو تمس سلامة المعلومة الانتخابية. [5]
والأهم أن القرار منع بث محتوى انتخابي مركب أو مولد بالذكاء الاصطناعي إذا كان من شأنه تضليل الجمهور أو المساس بنزاهة النقاش. أما المحتوى الاصطناعي الذي يستخدم لأغراض إخبارية أو تفسيرية أو تحققية، فينبغي أن يحمل إشارة واضحة إلى طبيعته. [5]
كما ألزم القرار وسائل الاتصال السمعي البصري بالتمييز بين الخبر والتعليق، وعدم فصل التصريحات عن سياقها، والإفصاح عن الانتماءات الحزبية أو المصالح المرتبطة بالخبراء والمحللين والمؤثرين والفاعلين الجمعويين المشاركين في البرامج الانتخابية. [5]
غير أن الدقة تقتضي التمييز بين نطاق هذا القرار وبين كل ما ينشر على منصات التواصل الاجتماعي. فالقرار يؤطر خدمات الاتصال السمعي البصري، ولا يعني تلقائياً أن كل منشور فردي على منصة اجتماعية يخضع للقواعد نفسها. ومع ذلك، فإنه يضع معياراً مهنياً واضحاً: لا تضليل، ولا اقتطاع من السياق، ولا إخفاء للعلاقة السياسية أو المالية.
وتتجاوز المسألة التقنية حدود القانون. فحين يستطيع مقطع مصطنع أن يمنح مرشحاً صوتاً لم يقله، أو موقفاً لم يتخذه، أو صورة لم يلتقطها، تصبح سلامة الاختيار الانتخابي مرتبطة بقدرة الصحافة والمواطن معاً على التحقق.
الصوت إلى تركّب، والصورة إلى تبدلات
الحقيقة كتضيع، وسط كثرة الإشارات
ماشي كل مؤثر شاهد، ولا كل فيديو بيان
سول على المصدر، قبل ما تصدّق العنوان
مناظرة الفرسان
في وسط السوق، نُصبت منصة للمناظرة.
صعد فارس المعارضة ولوّح بسيفه الكلامي:
— أنتم لم تفعلوا شيئاً!
أجابه فارس الأغلبية:
— بل فعلنا الكثير!
رد الأول:
— كان يمكنكم أن تفعلوا أكثر.
ابتسم الثاني وقال:
— ولو كنتم مكاننا لفعلتم أقل.
تبادل الفارسان الضربات اللفظية، بينما جلس المواطنون في الأسفل يحصون ما تبقى في جيوبهم، ويتأملون مواعيد المستشفيات، ومدارس أبنائهم، وفرص العمل التي لم تصل بعد.
ثم صاح مواطن من بين الجمهور:
— دعوا عنكم المبارزة! أخبرونا ماذا ستفعلون في أول مئة يوم؟
تلعثم الفرسان.
فالماضي يسمح بتوزيع المسؤولية بين الأزمات والحكومات السابقة والظروف الدولية. أما المستقبل، فيحتاج إلى خطة. والمئة يوم الأولى لا تمنح المسؤول السياسي وقتاً طويلاً للاختباء خلف البلاغة.
في المقابل، ينبغي أن يتجنب الناخب أيضاً الحكم السهل. فالحكومات لا تعمل في فراغ، والبرلمان لا يملك وحده مفاتيح الاقتصاد، والإدارة تحتاج إلى وقت، والإصلاحات الكبرى تتطلب تشريعات وتمويلاً وتنسيقاً بين مؤسسات متعددة.
غير أن صعوبة التنفيذ لا تلغي واجب الشرح. بل تجعل الشرح أكثر ضرورة. وكلما اتسعت القيود، وجب على الفاعل السياسي أن يكون أكثر دقة في تحديد ما يستطيع فعله، وما يحتاج إلى شراكة، وما يتطلب زمناً أطول.
فالسياسي الذي يشرح حدود قدرته لا يبدو ضعيفاً بالضرورة. أحياناً، يكون أكثر صدقاً من السياسي الذي يعد بكل شيء، ثم يترك للظروف مهمة الاعتذار نيابة عنه.
ها هي المناظرة، سيوفها من كلام
هذا يقول: أنا فعلت، وذاك يرد: أنت هدام
والمواطن وسط الميدان، كيسول على الحلول
ما بغيناش حرب اللسان، بغينا خدمة على الأصول
الناخب لا يبيع صوته
في آخر السوق، جلس ناخب مسن تحت ظل شجرة، يراقب القافلة وهي تمر.
اقترب منه مرشح شاب وقال:
— أعطني صوتك، أعطك مستقبلاً.
رفع الرجل رأسه وقال:
— الصوت ليس ناقة تُشترى بعلف يوم، ولا خاتماً يُستعار حتى ينتهي العرس. الصوت أمانة، ومن يطلبه فليشرح ماذا سيفعل به.
قال المرشح:
— سنحارب الفساد.
سأله الرجل:
— بأي مؤسسات؟
قال:
— سنخلق فرص العمل.
سأله:
— بأي استثمار؟
قال:
— سنرفع القدرة الشرائية.
رد الناخب:
— وكيف ستواجهون التضخم والبطالة والاختلالات المجالية؟ وما مؤشرات النجاح؟ ومتى يحق لنا أن نحاسبكم؟
التفت المرشح إلى الجمهور وصاح:
— أيها الناس، لا تصغوا إلى الأسئلة المعقدة! صوّتوا لمن يحبكم!
فقال الشيخ:
— من يحب الناس لا يخاف من أسئلتهم.
ولا يتعلق الأمر فقط بمن يصوت، بل بمن يمتنع، ولماذا يمتنع، وما الذي يدفعه إلى الاعتقاد بأن صوته لن يغير شيئاً. فقد أعلنت وزارة الداخلية في انتخابات 2021 نسبة مشاركة وطنية بلغت 50.18 في المائة ليلة الاقتراع، وهو رقم يوضح أن المشاركة تظل جزءاً مركزياً من معركة الشرعية السياسية. [6]
لذلك، لا ينبغي أن تُفهم المشاركة باعتبارها واجباً انتخابياً فقط، بل باعتبارها علاقة ثقة. وكلما شعر المواطن أن صوته يُطلب في الحملة ثم يُنسى بعدها، اتسعت المسافة بين الصندوق والمجتمع.
فالناخب لا يطلب من السياسي أن يكون ساحراً، ولا أن يلغي صعوبات الاقتصاد، ولا أن يعده بجنة فوق الأرض. إنه يريد أن يعرف حدود الممكن، وكلفة القرار، ومدة التنفيذ، والجهة التي تتحمل المسؤولية.
السياسة الناضجة لا تقول للناس إن كل شيء سهل. بل تشرح لماذا يصعب، وكيف يمكن إصلاحه، وما الثمن الذي ينبغي دفعه، ومن يملك صلاحية اتخاذ القرار.
الصوت أمانة، ماشي سلعة فالسوق
ما يتشرى بوعد، ولا يتباع فالدروب
سول على الخطة، سول على الحساب
اللي باغي ثقة الناس، يفتح للناس الباب
من الوعد إلى العقد
لا يتحول البرنامج الانتخابي إلى عقد سياسي إلا إذا أجاب بوضوح عن أسئلة أساسية:
- ما الهدف المحدد؟
- من المؤسسة المسؤولة؟
- ما الكلفة المالية؟
- ما الجدول الزمني؟
- كيف سيقاس النجاح؟
- ماذا يحدث إذا لم يتحقق الوعد؟
هذه الأسئلة لا تقتل السياسة، كما يعتقد بعض الخطباء. بل تحميها من التحول إلى مسرح موسمي. وهي لا تمنع الأحزاب من الحلم، وإنما تطلب منها أن تربط الحلم بالوسائل.
وعلى هذا الأساس، لا يكفي أن تعلن الأحزاب عن أرقام كبيرة أو عناوين جذابة. المطلوب أن توضح الأولويات، وأن تميز بين الالتزام الحكومي، والمقترح البرلماني، والوعد الذي يحتاج إلى توافقات أو موارد لا تملكها جهة واحدة.
كما ينبغي أن يميز الناخب بين ثلاثة أنواع من الخطاب:
أولاً، وعد يمكن للحكومة تنفيذه مباشرة.
ثانياً، اقتراح يحتاج إلى تشريع أو أغلبية برلمانية.
ثالثاً، هدف سياسي طويل المدى يتطلب شراكات وموارد وتدرجاً زمنياً.
هذا التمييز البسيط يمنع خلط المسؤوليات، ويجعل المحاسبة أكثر عدلاً. فلا يصح أن نحاسب مؤسسة على قرار لا تملك صلاحية اتخاذه، كما لا يصح أن نسمح لفاعل سياسي بالاختباء خلف التعقيد عندما تكون المسؤولية واضحة.
حين ينفض السوق
قبل منتصف الليل الأخير، بدأت الرايات تنزل، وخفتت مكبرات الصوت، وتراكمت المنشورات عند أبواب الدكاكين.
انتهت الخطب، لكن آثارها بقيت معلقة على الجدران: مليون منصب، صحة قريبة، تعليم قوي، أسعار منخفضة، عدالة اجتماعية، ومحاربة للفساد.
وبحسب الجدول الرسمي، تنتهي الحملة الانتخابية عند منتصف ليلة الثاني والعشرين من شتنبر، قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع في الثالث والعشرين منه. [1]
سكتات الطبول، وخْفات الأصوات
بقات غير الوعود، فوق الحيطان مكتوبات
غدا الصندوق يحكم، لا المنصة لا الميكروفون
واللي كان صادق يبان، واللي باع الكلام يخون
حين انفض السوق، بقي سؤال واحد معلقاً في الهواء:
هل كان الناخب يستمع إلى برامج قابلة للتنفيذ، أم إلى قصائد مدائحية تبحث عن التصفيق؟
فالانتخابات ليست مسابقة في ارتفاع الصوت، ولا مزاداً لمن يعد بأكبر رقم. إنها عقد سياسي بين المواطن ومن يطلب تمثيله.
والعقد الذي لا يتضمن التزامات واضحة، ومواعيد محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، وآليات للمحاسبة، لا يكتمل بوصفه عقداً سياسياً. إنه يتحول إلى قصيدة انتخابية تنتهي بانتهاء التصفيق.
وفي صباح الاقتراع، سيذهب المواطن إلى الصندوق حاملاً أسئلة أكثر من الوعود:
من يملك خطة قابلة للتنفيذ؟
من يعرف كلفة ما يعد به؟
من يقبل بالمحاسبة؟
من يحترم عقل الناخب؟
ومن يريد صوتي لخدمة الناس، ومن يريد الناس لخدمة صوته؟
يا ناخب شدّ الميزان، وخلي العقل هو السلطان
لا تغرّك زواق الهدرة، ولا كثرة الألوان
اللي وعدك بالسماء، سولو على السلم والزمان
فصوتك مفتاح البلاد، ماشي ورقة فإعلان
هناك، داخل الورقة الصغيرة، لا تُختبر البلاغة وحدها، بل يُختبر صدقها.
فالسوق الانتخابي الحقيقي ليس المكان الذي تُعرض فيه الوعود، وإنما اللحظة التي يكتشف فيها المواطن أيّ الوعود يمكن أن تتحول إلى سياسة، وأيّها لم يكن سوى زجل جميل يطلب من الناس أن يصفقوا قبل أن يسألوا عن الفاتورة.
المصادر
[1] البوابة الرسمية للمملكة المغربية، الانتخابات التشريعية 2026، وتتضمن تاريخ الاقتراع وعدد المقاعد وعدد الأحزاب والفترة الرسمية للحملة:
Maroc.ma – الانتخابات التشريعية 2026
[2] حول الوعود الاقتصادية والتشغيل في البرامج الانتخابية:
انتخابات 2026 بالمغرب: وعود كثيرة وتناقضات أكثر
[3] حول استعمال الأرقام في البرامج الانتخابية الحزبية:
الأرقام في البرامج الانتخابية الحزبية بالمغرب بين التنافس السياسي والمزايدة الانتخابية
[4] الجزيرة نت، تشريعيات المغرب: أسئلة وأجوبة عن الاقتراع والمرشحين والنتائج، حول تمويل الحملات وكشف مصادر التمويل والمصاريف:
تشريعيات المغرب 2026 – أسئلة وأجوبة
[5] الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، قرار رقم 26-50، بشأن التعددية والنزاهة والأخبار الزائفة والمحتوى الانتخابي المولد بالذكاء الاصطناعي:
قرار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري رقم 26-50
[6] حول نسبة المشاركة المعلنة في الانتخابات التشريعية لسنة 2021:
وزارة الداخلية المغربية: 50.18% نسبة التصويت في الانتخابات
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار