أقلام حرة

سيكولوجية الطاعة وصناعة الوهم: تفكيك البنية النفسية للنظام العسكري الجزائري!

منذ عام 1962، لم يكتفِ النظام العسكري في الجزائر بإدارة الشأن السياسي، بل عمل كـ “مهندس نفساني” لإعادة صياغة الشخصية الوطنية بما يخدم استمراره.

الهدف كان واضحاً: خلق إنسان جزائري مبرمج سيكولوجياً على القبول بالوضع القائم خوفاً من المجهول، وصناعة “حصانة نفسية” للنظام العسكري. ما نراه اليوم ليس مجرد سلوكات عفوية، بل هو نتاج بروباغاندا اشتغلت على مدار عقود لتجذير “عقد نفسية” جمعية تحمي السلطة من أي محاسبة شعبية.

1. النرجسية الجماعية كآلية “تخدير”!

يعتمد النظام على مفهوم النرجسية الجماعية (Collective Narcissism) كآلية تعويضية كلاسيكية لتعويض المواطن عن إخفاقات الواقع. فعندما يعجز النظام عن توفير الكرامة الاقتصادية أو الحريات الأساسية، فإنه يمنح المواطن “جرعات” من الفخر الوهمي. تُقنع البروباغاندا الفرد بأن انتمائه لهذه الجماعة “العظيمة” أو “القوة الضاربة” يغنيه عن حقوقه الفردية. هذه النرجسية ليست ثقة بالنفس، بل هي هشاشة نفسية البسيطة والأساسية ؛ لكن هذه النرجسية في جوهرها هي هشاشة نفسية وليست ثقة، لذا نجد أن أي نقد خارجي للمنظومة العسكرية يُترجم فوراً في الإعلام الرسمي كإهانة لكل جزائري. النظام هنا يختبئ خلف الشعب، محولاً نفسه إلى “مقدس” لا يجوز المساس به. فمن ينتقد الجنرالات ينتقد “الجزائر”، ومن يطالب بالتغيير يطعن في “عظمة الأمة”. هكذا يتحول “الوطن” في الوعي الجمعي إلى صنم يحمي الحاكم بدل أن يكون بيتاً يخدم المواطن. ففي تقرير مفصل للمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) في يونيو 2023 بعنوان: “النظام الجزائري والأسطورة الثورية” يحلل التقرير كيف يحافظ النظام على شرعيته من خلال التحكم في السردية التاريخية للثورة (التجسيد) وخلق عدو خارجي دائم لتوحيد الداخل.

2. صناعة “البارانويا” وعقلية الحصار (Siege Mentality)!

نجح النظام في تحويل المجتمع إلى حالة من الارتياب الدائم أو “البارانويا الجماعية”. من خلال تضخيم فكرة “العدو المتربص” و”اليد الخارجية”، يتم إبقاء المجتمع في حالة استنفار عصبي دائم. من الناحية النفسية، في حالات التهديد (حتى لو كان وهمياً)، ينسحب العقل التحليلي ويسيطر “العقل الغريزي” الذي يبحث عن الأمان فقط عبر تفعيل  غريزة البقاء. هذا بالضبط ما يريده النظام: تكتيك يجعل المواطن يتنازل عن تساؤلاته المنطقية مثل “أين تذهب ثرواتنا؟” أو “لماذا نهاجر في قوارب الموت؟”، لينشغل بسؤال واحد فرضه النظام: “من يتآمر علينا اليوم؟”. عقلية الحصار هي “الشرعية البديلة” التي تبرر بقاء الثكنة فوق الدولة، والجنرال فوق القانون.

3. “الفيتيشية التاريخية” واختطاف الذاكرة!

في علم النفس الاجتماعي، يتم الحديث عن الذاكرة الجمعية كمصدر للهوية، لكن النظام العسكري الجزائري مارس في نظري ما يمكن تسميته “بالتعلق المرضي بالماضي”. لقد حوّل الثورة من تجربة تحررية شهد العالم المعاصر العديد منها خاصة في وقت الانعتاق من الاستعمار، حولها من فعل شعبي عظيم إلى “صنم سياسي” حصري Political Fetishism. الهدف من هذا الضخ الإعلامي التاريخي  المستمر هو إقناع الشعب بأن “الشرعية” ليست في الصندوق الانتخابي، بل في شرعية السلاح والمجاهدين. أي ليست عقداً اجتماعياً يتجدد بالصناديق، بل هي “حق تاريخي” موروث من فوهة البندقية منذ عام 1954. هذا التجميد للزمن عند لحظة 1954 يمنع المجتمع من النضج النفسي والانتقال إلى “دولة المؤسسات”، فبدل أن تتحول الذاكرة إلى مصدر إلهام للبناء، تتحول إلى “سوط” يُجلد به كل من يطالب بدولة المؤسسات، حيث يُوصم نقد الحاضر بأنه “خيانة لدماء الشهداء”. وهكذا يبقى المجتمع ككل باعلامه ومؤسساته وسياسييه ورياضييه  أسرى لشرعية تاريخية انتهت صلاحيتها واقعياً.

4. الإسقاط والبحث عن كبش فداء (Scapegoating)!

يمارس النظام العسكري عملية إسقاط نفسي (Projection) واسعة النطاق ومنظمة . كل العيوب البنيوية في المنظومة (الفساد، البيروقراطية، الفشل التنموي) يتم إنكارها داخلياً وإسقاطها على “الآخر”. هذا الآخر قد يكون “الجيران=المغرب”، أو “الاستعمار القديم”، أو “أيادي خفية”.نفسياً، يوفر هذا الإسقاط راحة مؤقتة للوعي الجمعي، لأنه يزيح عبء المسؤولية عن “الذات” ويمنح الجمهور “كبش فداء” يفرغون فيه غضبهم وإحباطهم، بدلاً من توجيه ذلك الغضب نحو مكمن الخلل الحقيقي في قمة الهرم العسكري. لكن في نظري هذا  “فخ سيكولوجي”، لأنه يمنع المجتمع من تشخيص مرضه الحقيقي، ويجعله يفرغ غضبه في اتجاهات خاطئة، بينما يظل المفسد الحقيقي في مأمن من المحاسبة، مختبئاً خلف “شماعة الآخر” وهذا ما يلاحظ في اختلاق النظام العسكري لمعارك فرعية قابلة لاستيعاب هذا الغضب الشعبي وبين أفراده مثل كرة القدم والتقافة ووو. ففي تقرير من “ميدل إيست اي”في فبراير 2023 بعنوان : “لماذا تستهدف الجزائر المغرب؟” أوضح كيف يستخدم النظام الجزائري الخلاف مع المغرب كقضية خارجية لتحويل الانتباه عن الأزمات الداخلية مثل الاقتصاد والفساد.

5. الصدمة الوطنية غير المعالجة!

لا يمكن إغفال كيف استغل النظام صدمات الجزائريين بشكل دائم من الاستعمار إلى العشرية السوداء لتبقي كل أفراد الشعب في ثوب المظلومية. علم النفس السياسي يشير إلى أن الشعوب التي مرت بصدمات تميل للبحث عن “الأب القوي” أو “الحامي العسكري” حتى لو كان مستبداً. لقد استثمر النظام في سيكولوجية الخوف، برع بشكل كامل  في “الابتزاز العاطفي”، مروجاً لمعادلة صفرية: “إما نحن، وإما الخراب والدم والعودة للتسعينات”.  هذا الخوف الممنهج جعل قطاعاً من المجتمع يقبل بوضع “غير سوي” نفسياً وسياسياً، ويقبل بالتنازل عن حريته مقابل أمان هو في الحقيقة “أمان السجن”، خوفاً من سيناريوهات الرعب التي يعيد النظام عرضها عند كل بادرة تغيير. وفي رايي الشخصي وبناءا على ماسبق نستنتج كخلاصة إن ما يعانيه الخطاب العام في الجزائر ليس مرضاً جينياً في الشعب، بل هو تسمم فكري ناتج عن “بروباغاندا” عسكرية مكثفة استهدفت اللاوعي الجمعي. النظام لم يبنِ فقط ثكنات وسجوناً، بل بنى “جدراناً نفسية” داخل عقل المواطن تجعله يخشى التغيير أكثر مما يخشى الاستبداد. التحرر الحقيقي لن يكون سياسياً فقط، بل هو تحرر سيكولوجي يبدأ بتفكيك هذه الأساطير، وإدراك أن “العدو” الحقيقي ليس خلف الحدود، بل في المكاتب التي تصادر القرار الوطني باسم الوطنية.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار