أقلام حرة

ظِلُّ الصَّمْت: كيف تُعيد وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل حرية التعبير في عالمٍ يتشقّق رقميًّا

« في العصر الرقمي، لم يعد القمع صاخبًا… بل صار يمرّ عبر خوارزمية صامتة تغيّر ما نراه وما لا نراه. » — دانيال هارو

صوتٌ يتلاشى في عالم صاخب

قبل سنوات، اعتقد العالم أن منصات التواصل الاجتماعي ستصبح فضاءً عامًا جديدًا يوسّع حضور الأصوات المهمَّشة. لكن هذا الوعد تبدّل تدريجيًا، بعدما بدأت الخوارزميات تتحكم بما يظهر أمام المستخدمين وما يتوارى خلف الضجيج.

في الكواليس: خوارزميات تصوغ الخطاب بدل مستخدميه

كشف تقرير داخلي مسرّب من منصة “إكس”، التي باتت اليوم تحت إدارة كونسورتيوم استثماري تقوده صناديق سيادية خليجية، أن أكثر من 60% من عمليات مراقبة المحتوى تعتمد على “توصيات سياقية” مرتبطة باعتبارات جيوسياسية [1]. وتبيّن البيانات أن فرق المراقبة تفعّل هذه التوجيهات مباشرة، فتحذف محتوى وتدفع بغيره إلى الصدارة بما يخدم مصالح محددة.

وتتكرر الظاهرة نفسها في “إنستغرام” و”يوتيوب” و”تيك توك”. فالمحتوى العلمي أو الدقيق يتراجع إلى الهامش، بينما تحظى روايات أخرى بانتشار واسع لأنها تخدم مصالح اقتصادية أو سياسية. وقد وصف باحثون من جامعة ستانفورد هذا النمط بـ”الرقابة الخوارزمية الناعمة” لأنها تعيد تشكيل الوعي من دون إعلان تدخلها [2].

شهادات من الميدان: أصوات تتلاشى رغم حضورها

تقول لينا رحماني، وهي صحفية مستقلة في باريس، إن المنصة خفّضت وصول تقاريرها المناخية المتعلقة بالساحل الأفريقي إلى 3% فقط من جمهورها. وتشير إلى أن الخوارزمية لا تمنعها من النشر، لكنها تقلل وصول محتواها، فيتراجع تأثيره رغم ثبات جودته.

وهنا تظهر مفارقة صارخة: حرية التعبير لم تعد مرتبطة بما يُكتب، بل بما يصل فعليًا إلى الجمهور.

لعبة النفوذ: حين يُعاد تشكيل الخطاب العالمي

في الهند، يؤكد صحفيون أن “ميتا” تعزز منشورات داعمة للحكومة [5]. وفي أوروبا، يشير نشطاء من مجتمع الميم إلى تراجع واضح في وصول محتواهم بعد دخول مستثمرين محافظين. أما في الولايات المتحدة، ورغم حماية التعديل الأول، تواجه المجتمعات تأثير خوارزميات تسعى إلى ما يزيد التفاعل، لا ما يعزز النقاش الصحي.

مفارقة «الفضاء المفتوح»

تؤكد المنصات أنها تمنح الجميع فرصًا متساوية. لكن دراسة لمعهد MIT توضّح أن المستخدم الذي يتفاعل مع منشور نقدي معتدل تجاه الاتحاد الأوروبي يتلقى خلال أسبوعين محتوى أشد تطرفًا [3]. ويعود السبب إلى أن الخوارزمية تعطي الأولوية لزيادة التفاعل لتعظيم الأرباح، فتدفع المستخدم نحو مسارات أكثر حدّة.

ويكتب عالم الاجتماع دانيال هارو في «مجلة الأخلاق الرقمية»: “لم نعد في سوقٍ للأفكار، بل في مصنعٍ يعيد صياغة القناعات” [4].

تشريعات تحاول مجاراة الواقع

اعتمد الاتحاد الأوروبي “حزمة الإنصاف الرقمي” التي تلزم الشركات بالكشف عن أسس الرقابة وفتح خوارزمياتها للمراجعة [3]. ويرى محللون أن هذه الخطوة مهمة، لكنها تأتي متأخرة مقارنة بالوتيرة المتسارعة لتطور المنصات.

وفي الولايات المتحدة، يتصارع تياران: أحدهما يطالب بتنظيم صارم، وآخر يخشى أن يؤدي التنظيم إلى إعاقة الابتكار.

صمتٌ يُعاد تشكيله

قبل قرن تقريبًا، حذّر جورج أورويل من “الأخ الأكبر” الذي يفرض الصمت بالقوة. أما اليوم، فيتمثل الخطر في منظومة تهمس للمستخدم بأن أحدًا لا يسمعه، فيتراجع عن التعبير طوعًا. وهكذا تُعاد صياغة حدود الخطاب من دون قمع مباشر، بل عبر شعورٍ خفي بعدم الجدوى.

رأي التحرير

ترى هيئة التحرير أن معركة حرية التعبير في العصر الرقمي لم تعد مواجهة بين المواطن والدولة فقط، بل صراعًا مع خوارزميات تعيد تشكيل الوعي الجماعي بطريقة غير معلنة. كما تؤكد أن أخطر أشكال الرقابة هي تلك التي تتخفّى خلف شعار “تحسين تجربة المستخدم”.

وتوصي الهيئة بسنّ تشريعات ملموسة تحمي أصوات الأقليات، وتفرض شفافية كاملة على آليات التوصية، وتضمن بيئة رقمية عادلة تضع الإنسان — لا الخوارزمية — في صدارة القرار.

إن حماية حرية التعبير لن تتحقق بالشعارات، بل ببناء منظومة رقمية تقدّر التنوع، وتدعم النقاش الحر، وتحد من سطوة الخوارزميات التي تعيد تشكيل الرأي العام في الخفاء.

المصادر

1. Stanford Internet Observatory – Algorithmic Soft Censorship Report

2. Stanford Researchers – Soft Algorithmic Moderation Studies (2023–2024)

3. MIT Media Lab – Political Content Amplification Study

4. Daniel Harrow – Journal of Digital Ethics (2024)

5. Meta Transparency Center – Global Moderation Reports

6. TikTok & YouTube Transparency Disclosures (2023–2024)

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار