ما بعد الهيمنة الأحادية: كيف تغيّر أمريكا جلدها؟
من يتابع النقاش الدائر اليوم حول الولايات المتحدة قد يظن أننا أمام قوة عظمى على وشك الانهيار. الحديث عن الانقسام الداخلي، الشلل السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، بات يوميًا في الإعلام الأميركي نفسه، لا في صحافة الخصوم فقط. لكن السؤال الحقيقي ليس إن كانت أمريكا تضعف، بل كيف تتغير.
الولايات المتحدة تمرّ بلحظة قلق حقيقي. انقسام سياسي حاد، إغلاقات حكومية متكررة، واستقطاب غير مسبوق يجعل الدولة تبدو أحيانًا وكأنها عاجزة عن إدارة أبسط شؤونها. بالنسبة للمواطن الأميركي، هذا مشهد مربك، وبالنسبة للعالم، صورة قوة عظمى أقل تماسكا مما اعتاد عليه. وهي صورة تلتقطها موسكو وبكين بارتياح واضح.
من داخل واشنطن نفسها، برزت أصوات نقدية حادة، من بينها صوت هارلان ك. أولمان، المستشار الاستراتيجي المعروف. في كتابه Anatomy of Failure: Why America Loses Every War It Starts، لم يتحدث أولمان عن نهاية الولايات المتحدة، بل عن شيء أخطر: سوء إدارتها لقوتها. يقول بوضوح إن كل حرب خاضتها واشنطن دون رؤية سياسية واضحة انتهت بالفشل أو العجز عن تحقيق أهدافها.
هذا النقد لا يستهدف حجم القوة الأميركية، بل طريقة استخدامها. فالمشكلة، كما يرى أولمان، ليست في الموارد ولا في التفوق العسكري، بل في غياب تعريف واضح للنصر، وفي الخلط بين استعراض القوة وبناء الاستقرار. وهو تشخيص يبدو شديد الانسجام مع واقع اليوم، حيث تمتلك واشنطن نفوذًا هائلًا، لكنها كثيرًا ما تعجز عن تحويله إلى نتائج مستدامة.
الأزمة لا تقف عند السياسة الخارجية. داخليًا، تتآكل الثقة بالمؤسسات بشكل مقلق. قضايا كبرى، مثل فضيحة إبستين، لم تُضعف فقط صورة العدالة، بل عمّقت شعورًا عامًا بأن النظام لا يعمل بالشفافية التي طالما بشّر بها. وحين تتراجع الثقة، يصبح المجتمع أكثر قابلية للاستقطاب، وأكثر هشاشة أمام الحروب الإعلامية والتلاعب الخارجي.
اقتصاديًا، ورغم أن الولايات المتحدة ما تزال أكبر اقتصاد في العالم، فإن أزمة تكاليف المعيشة واتساع الفجوة الطبقية تخلق شعورًا متناميًا بالاختناق. الخطر هنا ليس الغلاء في حد ذاته، بل الإحساس بأن المعاناة غير مرئية سياسيًا. حين يشعر الناس أن صوتهم لا يُسمع، يتحول الغضب إلى حالة دائمة، لا إلى احتجاج عابر.
في إحدى مقالاته التحليلية المنشورة في Atlantic Concil، لخّص أولمان هذه المعضلة بجملة صادمة في بساطتها:
“أخطر تهديد تواجهه الولايات المتحدة اليوم لا يأتي من الخارج، بل من الداخل.”
هذا القول لا يعني أن الصين أو روسيا بلا تأثير، بل يعني أن الانقسام الداخلي الأميركي هو الثغرة الأكبر التي يمكن للخصوم استغلالها دون مواجهة مباشرة. ورغم كل ذلك، فإن تصوير ما يجري على أنه بداية نهاية أميركا هو تبسيط مخلّ. التاريخ لا يخبرنا عن قوى عظمى سقطت فجأة، بل عن قوى تعثرت، ثم أعادت ترتيب نفسها. الولايات المتحدة اليوم لا تبدو دولة منهارة، بل دولة متعبة من دور لعبته طويلًا.
في تقديري، ما نراه ليس انهيارًا بنيويًا، بل تغييرًا في الجلد الاستراتيجي. واشنطن لم تعد قادرة، ولا راغبة، في لعب دور شرطي العالم كما فعلت بعد الحرب الباردة. الكلفة باتت عالية، والبيئة الدولية أكثر تعقيدًا. لذلك نراها تتراجع أحيانًا، وتتخبط أحيانًا أخرى، لا لأنها عاجزة، بل لأنها تعيد تعريف دورها.
روسيا ليست في موقع يسمح لها بإزاحة الولايات المتحدة، والصين نفسها تواجه تحديات داخلية قد تُبطئ صعودها. كلاهما يراهن على أخطاء واشنطن أكثر مما يراهن على مواجهتها. ومع ذلك، تظل أمريكا، بكل أزماتها، القوة الأكثر امتلاكًا لأدوات التأثير: اقتصاد ضخم، تفوق تكنولوجي، مؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات، وشبكة تحالفات لا تزال الأوسع عالميًا.
الخلاصة أن تحذيرات هارلان ك. أولمان لا ينبغي قراءتها كنعي لإمبراطورية، بل كجرس إنذار من الداخل. الولايات المتحدة تمر بلحظة ارتباك تاريخي، نعم، لكنها أيضًا تملك قدرة نادرة على إعادة التشكل. ما ينتهي اليوم ليس أمريكا، بل نمط قديم من دورها في العالم. وما يولد ليس ضعفًا، بل نسخة مختلفة: أقل مثالية، أكثر براغماتية، وأكثر وعيًا بكلفة القوة وحدودها.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار