الرأي والتحليل

من 1777 إلى 2026: عندما يتحول التاريخ إلى قوة سياسية في العلاقة الأمريكية–المغربية

قراءة في دلالة استحضار 250 سنة من التاريخ والصداقة في خطاب ترامب

في السياسة الدولية، لا تُستدعى التواريخ المؤسسة دائمًا لمجرد الاحتفال بالماضي. أحيانًا يتحول التاريخ نفسه إلى أداة لصناعة المعنى السياسي في الحاضر.

ومن هذه الزاوية، تكتسب الإشارة الواردة في رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى امتداد العلاقات الأمريكية–المغربية إلى سنة 1777، وربط سنة 2026 بـ«250 سنة من التاريخ الأمريكي والصداقة الدائمة مع المغرب»، أهمية تتجاوز المجاملة الدبلوماسية.

فالسؤال ليس فقط: ماذا حدث بين الولايات المتحدة والمغرب سنة 1777؟

بل السؤال الأكثر أهمية هو:

لماذا يصبح هذا التاريخ بالذات جزءًا من خطاب سياسي أمريكي معاصر في لحظة ترتبط فيها العلاقة بملف الصحراء وبإعادة ترتيب التوازنات الجيوسياسية في شمال إفريقيا؟

للإجابة عن ذلك، ينبغي أولًا تصحيح بعض التفاصيل التاريخية التي كثيرًا ما تُعرض بصورة مبسطة.

1777: بداية مبكرة لعلاقة استثنائية

ترتبط سنة 1777 بمحطة مبكرة ومهمة جدًا في العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة الناشئة.

وتوثق وزارة الخارجية الأمريكية أن السلطان المغربي محمد الثالث أشار في وثيقة تعود إلى سنة 1777 إلى السفن الأمريكية، في سياق انفتاح المغرب على الجمهورية الأمريكية الجديدة.[1]

لكن الدقة الأكاديمية تقتضي عدم اختزال ذلك في عبارة تقول إن «الاعتراف الرسمي الأمريكي بالمغرب أو المغربي بالولايات المتحدة تم سنة 1777».

فالاعتراف الرسمي الذي توثقه وزارة الخارجية الأمريكية بصورة واضحة ارتبط بمعاهدة السلام والصداقة الموقعة في مراكش في 23 يونيو 1786.[2]

وهنا تظهر أهمية التمييز بين التاريخ الرمزي والتاريخ القانوني.

1777 تمثل محطة مبكرة ذات قيمة تاريخية كبيرة.

أما 1786 فتمثل لحظة تأسيسية أكثر وضوحًا للعلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين.

وهذا التصحيح لا يضعف سردية الصداقة التاريخية؛ بل يجعلها أكثر قوة ومصداقية.

معاهدة 1786: عندما انتقلت العلاقة من الانفتاح إلى الوثيقة

لم تكن العلاقات الأمريكية–المغربية مجرد اتصال عابر.

فمعاهدة السلام والصداقة الموقعة في مراكش سنة 1786 شكلت أساسًا مهمًا للعلاقات الرسمية بين البلدين، وتعدها وزارة الخارجية الأمريكية من المعاهدات التاريخية المبكرة في سجل السياسة الخارجية الأمريكية.[2]

كما استمر الحضور الدبلوماسي الأمريكي في المغرب خلال العقود التالية، وصولًا إلى إنشاء وجود قنصلي أمريكي، ثم انتقال العلاقة إلى مراحل أكثر مؤسسية.

ومن بين الرموز التاريخية البارزة في هذا المسار المفوضية الأمريكية في طنجة، التي تكتسب أهمية خاصة في التاريخ الدبلوماسي الأمريكي باعتبارها من أقدم الممتلكات الدبلوماسية الأمريكية في الخارج.[3]

وبذلك لا يتعلق الأمر بحادثة تاريخية واحدة.

إننا أمام تراكم دبلوماسي طويل.

وهذه النقطة هي التي تجعل التاريخ قابلًا للتوظيف السياسي في الحاضر.

لماذا تصبح «الصداقة التاريخية» أقوى من «المصلحة المشتركة»؟

في لغة العلاقات الدولية، هناك فرق بين أن تصف دولة أخرى بأنها:

شريك استراتيجي

وأن تصفها بأنها:

صديق تاريخي.

الشراكة الاستراتيجية ترتبط بالمصالح.

أما الصداقة التاريخية فتضيف إليها الذاكرة.

المصالح يمكن أن تتغير بتغير الظروف.

أما التاريخ فلا يمكن تغييره.

ومن هنا يمكن فهم القيمة الخطابية لعبارة «الصداقة الدائمة».

فالخطاب لا يقول فقط إن واشنطن والرباط تتعاونان اليوم.

بل يضع التعاون الحالي داخل قصة بدأت قبل قيام كثير من المؤسسات الدولية الموجودة اليوم.

وبذلك ينتقل الخطاب من:

«لدينا مصالح مشتركة»

إلى:

«لدينا تاريخ مشترك».

وهذا الانتقال مهم سياسيًا؛ لأن التاريخ يمنح العلاقة عمقًا رمزيًا يتجاوز الحسابات الآنية.

250 سنة: الرقم الذي يلتقي فيه التاريخ بالحاضر

تكتسب عبارة «250 سنة» أهمية خاصة في عام 2026.

فالولايات المتحدة تحتفل هذه السنة بالذكرى الـ250 لاستقلالها، وقد خصصت مؤسسات الدولة الأمريكية برامج رسمية واسعة لهذه المناسبة.[4]

ومن ثم فإن ربط العلاقات مع المغرب بسنة 2026 ينتج تزامنًا رمزيًا بالغ القوة:

250 سنة من تاريخ الولايات المتحدة

مع

جذور تعود إلى القرن الثامن عشر للعلاقة الأمريكية–المغربية.

هنا يصبح المغرب حاضرًا داخل السردية التاريخية الأمريكية نفسها.

ولا يعني ذلك أن المغرب يصبح جزءًا من التاريخ الوطني الأمريكي؛ فهذا استنتاج غير صحيح.

لكن يمكن القول إن الخطاب يضع العلاقة المغربية–الأمريكية داخل الذاكرة الدبلوماسية المبكرة للجمهورية الأمريكية.

وهذا فرق جوهري.

التاريخ بوصفه «إطارًا» سياسيًا

في دراسات الاتصال السياسي، يُستخدم مفهوم التأطير السياسي – Political Framing لفهم الطريقة التي تُختار بها بعض عناصر الواقع وتُبرز على حساب عناصر أخرى من أجل إنتاج معنى محدد.[5]

وقضية الصحراء، على سبيل المثال، يمكن تأطيرها باعتبارها:

  • نزاعًا إقليميًا؛
  • قضية أممية؛
  • ملفًا مغربيًا–جزائريًا؛
  • مسألة أمنية؛
  • أو عنصرًا داخل العلاقات الاستراتيجية الأمريكية–المغربية.

كل إطار يغير طبيعة الأسئلة التي يطرحها المتلقي.

وعندما يبدأ الخطاب من التاريخ، فإن المتلقي لا يُدفع مباشرة إلى السؤال:

لماذا تتخذ واشنطن هذا الموقف الآن؟

بل إلى سؤال آخر:

كيف ينبغي فهم الموقف الحالي في ضوء تاريخ العلاقة؟

وهنا تكمن قوة التأطير.

من القرار إلى العلاقة

قد يبدو الفرق بسيطًا، لكنه استراتيجي.

إذا قدمت واشنطن موقفًا معينًا باعتباره قرارًا منفردًا، فإن التركيز سينصب على أسباب القرار.

لكن إذا وضعته داخل علاقة تاريخية، فإن القرار يصبح جزءًا من منظومة أكبر.

أي أن:

القرار يصبح نتيجة للعلاقة، بدل أن تصبح العلاقة نتيجة للقرار.

وهذه عملية مهمة في صناعة الشرعية السياسية.

فالموقف الذي يبدو في عزلة قرارًا سياسيًا قابلًا للتغيير، يمكن أن يبدو داخل سردية تاريخية وكأنه استمرار لمسار طويل.

لكن ينبغي هنا الحذر من استنتاج غير مثبت:

لا يمكن القول إن ترامب استحضر التاريخ بهدف تحصين قراره ضد الإدارات الأمريكية المقبلة ما لم توجد وثيقة تثبت هذه النية.

الأدق هو القول إن:

الصياغة التاريخية تؤدي، من حيث وظيفتها الخطابية، إلى وضع العلاقة في إطار يتجاوز اللحظة السياسية الراهنة، حتى وإن تعذر إثبات أن هذا كان القصد المباشر من اختيارها.

وهذا التمييز ضروري في أي تحليل سياسي جاد.

التاريخ لا يساوي القانون

ثمة خطأ آخر ينبغي تجنبه.

استحضار التاريخ لا يغير الوضع القانوني الدولي لقضية الصحراء.

فالتاريخ يمنح العلاقة قيمة رمزية، لكنه لا ينتج وحده قاعدة من قواعد القانون الدولي.

وقضية الصحراء تظل مرتبطة بالإطار الأممي وبالمسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

لذلك ينبغي الفصل بين:

التاريخ

و

السياسة

و

القانون الدولي.

قد تتقاطع هذه المستويات، لكنها ليست شيئًا واحدًا.

لماذا يمثل هذا الخطاب لحظة مهمة للمغرب؟

من المنظور المغربي، القيمة الأساسية في استحضار التاريخ تكمن في أنه يضع العلاقة مع واشنطن داخل سردية طويلة الأمد.

وهذا يمكن أن يمنح الشراكة الثنائية قدرة أكبر على تجاوز القراءة الظرفية.

لكن التاريخ وحده لا يكفي.

فالاستمرارية الحقيقية تحتاج إلى مؤسسات، واتفاقيات، وتعاون اقتصادي وأمني، وتواصل مع الكونغرس ومراكز الدراسات والرأي العام الأمريكي.

بعبارة أكثر اختصارًا:

التاريخ يمنح العلاقة الذاكرة، لكن المؤسسات تمنحها المستقبل.

عندما يعود خطاب سياسي أمريكي في سنة 2026 إلى سنة 1777، فإنه لا يعود إلى الماضي فقط.

إنه يعيد ترتيب الحاضر.

فالبدء من التاريخ بدل الأزمة، ومن الصداقة بدل المصلحة، ومن الاستمرارية بدل اللحظة، يصنع إطارًا مختلفًا لفهم العلاقات الأمريكية–المغربية.

ولا يعني ذلك أن التاريخ يحدد السياسة الأمريكية.

لكنه يمنحها لغة مختلفة.

لغة تقول إن العلاقة مع المغرب ليست نتاج اللحظة السياسية الراهنة، وإنما جزء من مسار دبلوماسي طويل بدأ في السنوات الأولى للجمهورية الأمريكية.

ومن هنا يمكن قراءة عبارة «250 سنة» باعتبارها أكثر من رقم احتفالي.

إنها أداة لإنتاج الاستمرارية داخل الخطاب السياسي.

لكن السؤال الأكثر أهمية يبقى مفتوحًا:

هل يستطيع هذا الرصيد التاريخي أن يتحول إلى التزام استراتيجي مؤسسي طويل الأمد، خصوصًا بعد التحول الكبير الذي شهدته السياسة الأمريكية تجاه الصحراء منذ 2020؟

يتبع…

مراجع المقال الأول

[1] U.S. Department of State, Office of the Historian, Morocco – Recognition, Diplomatic and Consular Relations.
[2] U.S. Department of State, Office of the Historian, Morocco – Recognition, Diplomatic and Consular Relations, بشأن معاهدة السلام والصداقة الموقعة في 23 يونيو 1786.
[3] U.S. Department of State, Bureau of Overseas Buildings Operations, The First U.S. Legation, 2026.
[4] U.S. National Archives, Freedom 250, 2026.
[5] Entman, Robert M., “Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm,” Journal of Communication, Vol. 43, No. 4, 1993, pp. 51–58.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار