أبناء الشهداء… دين في ذمة الوطن
بقلم: رشيد العيرج، ابن شهيد حرب الصحراء المغربية
بين سنتي 1975 و1991، حمل رجالٌ مغاربة السلاح لا طمعًا في مال، ولا بحثًا عن مجد شخصي. حملوه دفاعًا عن حبة رمل واحدة من صحرائه المغربية. خرجوا يوم نادى الوطن، وتركوا خلفهم أطفالًا لا يفقهون معنى “الاستشهاد”، وأمهاتٍ وعدوهن بالعودة التي لم تأتِ أبدًا. سقطوا على الحدود، وتحت شمس الصحراء الحارقة، وهم يرفعون راية الوطن من طنجة إلى الكويرة.
تلك كانت تضحيتهم؛ واضحة، كاملة، وبلا حساب.
من وسام الفخر إلى أبواب موصدة
اليوم، نحن أبناء وبنات أولئك الشهداء، نقف أمام مرآة الواقع لنرى صورة مؤلمة. فبدل أن تكون شهادة استشهاد الآباء مدخلًا للإنصاف ووسام فخر، تحولت، في كثير من الحالات، إلى ذكرى موجعة نقدمها عند أبواب موصدة.
ويعيش عدد كبير من أبناء الشهداء أوضاعًا اجتماعية ومهنية صعبة، فمنهم من تجاوز الخمسين، ومنهم من بلغ الستين، ولا يزال يبحث عن فرصة عمل تقيه ذل الحاجة. كما يعبّر كثير منهم عن شعورهم بعدم نيل ما يطمحون إليه من إنصاف واعتراف ينسجم مع تضحيات آبائهم، وكأن دماء الآباء التي سقت رمال الصحراء قد غابت عن الذاكرة الجماعية.
هذا ليس مجرد ملف اجتماعي، بل هو اختبار لثقافة الاعتراف التي نفتخر بها. فكيف نطلب من الجندي المرابط اليوم على الثغور أن يطمئن على مستقبل أبنائه، بينما يشعر عدد من أبناء من سبقوه بأن ملفهم لم يحظَ بعد بما يستحقه من عناية؟ إن إنصافنا هو أبلغ رسالة يمكن أن تصل إلى كل من يسهر الآن على أمن الوطن: بأن المغرب لا ينسى أبناءه، وأن دماء الآباء دين في أعناق الأجيال.
مطلب كرامة لا صدقة
إن أبناء الشهداء لا يستجدون امتيازًا، ولا يطلبون صدقة خارج القانون. مطلبهم واضح ومشروع، ويتمثل في ثلاثة محاور أساسية:
أولًا: إحداث برنامج خاص للإدماج المهني لفائدة أبناء وبنات الشهداء، يأخذ بعين الاعتبار أعمارهم، ومؤهلاتهم، وظروفهم الاجتماعية.
ثانيًا: تخصيص مناصب مالية ملائمة في الوظيفة العمومية، والمؤسسات العمومية، والقطاع شبه العمومي، تليق بحجم التضحية التي قدمها آباؤنا.
ثالثًا: تفعيل ثقافة الاعتراف في إطار قانوني واضح وصريح ينصف هذه الفئة ويصون كرامتها، بدل ترك مصيرها لاجتهادات ظرفية تتغير بتغير الأشخاص.
بين الوفاء والجرح المفتوح
إن ملف أبناء الشهداء هو، في جوهره، ملف سيادي وأمني ومعنوي. فهو تحصين للجبهة الداخلية، ورفع لمعنويات كل مرابط، وتأكيد عملي على أن الدولة المغربية تعرف لأبنائها قدرهم وتحفظ تضحياتهم.
السيد رئيس الحكومة، إن التاريخ لا يرحم، والأجيال القادمة ستقرأ. ويبقى الأمل معقودًا على أن يحظى هذا الملف بما يستحقه من عناية، بما يعكس قيم الوفاء والاعتراف التي تميز الدولة المغربية.
والاختيار، اليوم، بين يديكم.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار