سياسة

أزمة التعليم بالمغرب..بين أرقام أخنوش وواقع الأقسام

اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال جلسة المساءلة الشهرية بمجلس النواب، عرض سلسلة من الأرقام والمؤشرات التي قدمها باعتبارها دليلاً على نجاح الإصلاحات الحكومية في قطاع التعليم. غير أن الصورة التي ترسمها التقارير الدولية والواقع اليومي داخل المؤسسات التعليمية تبدو أبعد ما تكون عن هذا الخطاب المتفائل، في قطاع ما زال يعيش واحدة من أعقد أزماته البنيوية منذ سنوات.

فبينما تتحدث الحكومة عن ارتفاع عدد المتمدرسين وتوسيع التعليم الأولي وإحداث مؤسسات جديدة، تستمر التقارير الدولية المتخصصة في تصنيف المنظومة التعليمية المغربية ضمن المراتب المتأخرة عالمياً من حيث جودة التعلمات والتحصيل الدراسي والكفايات الأساسية، وهو ما يطرح علامات استفهام حول مدى انعكاس مليارات الدراهم التي ضُخت في القطاع على المستوى الفعلي للتلميذ داخل القسم.

وتفاخر الحكومة ببلوغ ميزانية التعليم 99 مليار درهم سنة 2026، مقابل 59 مليار درهم سنة 2021، لكن ارتفاع الإنفاق العمومي لا يعني بالضرورة نجاح الإصلاح، فالمؤشرات الحقيقية لقياس أداء أي منظومة تعليمية لا تقف عند حجم الميزانية، بل تتجلى في جودة المخرجات وقدرة المدرسة على تكوين أجيال قادرة على المنافسة ومواصلة التحصيل والاندماج في سوق الشغل.

ورغم الحديث الرسمي المتكرر عن “مدارس الريادة” باعتبارها النموذج الجديد للإصلاح، فإن هذا المشروع ما يزال محل نقاش واسع داخل الأوساط التربوية والأكاديمية، خاصة في ظل غياب تقييمات مستقلة وشاملة تسمح بقياس أثره الحقيقي بعيداً عن الأرقام التي تقدمها الوزارة نفسها. كما أن نجاح بعض التجارب المحدودة لا يمكن اعتباره دليلاً على تجاوز أعطاب منظومة تعاني من الاكتظاظ والهدر المدرسي والتفاوتات المجالية ونقص الموارد البشرية في عدد من المناطق.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن تقليص نسب الهدر المدرسي وتحسين مؤشرات التمدرس، ما زالت آلاف الأسر المغربية تواجه يومياً صعوبات حقيقية تتعلق بالنقل المدرسي وبعد المؤسسات التعليـمية ونقص التجهيزات وضعف جودة التعلمات، خصوصاً في العالم القروي والمناطق الهامشية التي لم تستفد بالشكل الكافي من الوعود المتكررة بإرساء مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص.

كما أن الخطاب الحكومي يتجنب الخوض في أحد أبرز الإشكالات التي هزت القطاع خلال السنوات الأخيرة، والمتعلقة بحالة الاحتقان التي عرفها الوسط التعليمي والاحتجاجات المتواصلة لرجال ونساء التعليم بسبب النظام الأساسي الجديد، وما رافق ذلك من إضرابات أثرت بشكل مباشر على الزمن المدرسي والتحصيل الدراسي لملايين التلاميذ.

ويزداد الجدل حول حصيلة الحكومة التعليمية بالنظر إلى طبيعة القيادة السياسية للقطاع، حيث يرى منتقدون أن وزارة التربية الوطنية تحولت إلى ورش سياسي أكثر منه مشروعاً تربوياً، في ظل تعيين وزير لا يمتلك مساراً أكاديمياً أو مهنياً مرتبطاً بقطاع التعليم، وهو ما اعتبره كثيرون مؤشراً على تغليب منطق الولاءات السياسية والحسابات الحزبية على الحاجة إلى كفاءات متخصصة قادرة على قيادة واحدة من أكثر الوزارات حساسية في البلاد.

فالتعليم ليس مشروعاً استثمارياً ولا قطاعاً تقنياً يمكن تدبيره بمنطق الأرقام المجردة، بل هو رهان استراتيجي يتعلق بمستقبل أمة كاملة. لذلك فإن الحديث عن مئات المؤسسات الجديدة وعشرات الآلاف من المناصب المالية لا يكفي لإقناع الرأي العام بنجاح الإصلاح، ما دامت النتائج الملموسة داخل الأقسام الدراسية لا تعكس بعد حجم الأموال المرصودة ولا حجم الوعود التي أطلقتها الحكومة منذ بداية ولايتها.

لقد نجحت الحكومة في إنتاج خطاب رقمي ضخم حول التعليم، لكنها لم تنجح بعد في تبديد الانطباع السائد لدى فئات واسعة من المغاربة بأن المدرسة العمومية ما تزال تعاني من أعطاب عميقة، وأن الإصلاح الحقيقي لم يغادر بعد مرحلة الشعارات والتجارب الجزئية نحو معالجة جذرية للأزمة التي تتفاقم سنة بعد أخرى.

وبين لغة الأرقام التي يروج لها المسؤولون، والواقع الذي يعيشه التلميذ والأستاذ والأسرة المغربية، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً أن جودة التعليم لا تُقاس بعدد البلاغات الرسمية ولا بحجم الميزانيات المعلنة، بل بما يتعلمه التلميذ فعلاً داخل الفصل، وبالمكانة التي يحتلها المغرب في مؤشرات المعرفة والتنافسية الدولية، وهي مؤشرات لا تزال بعيدة عن الطموحات التي وعدت بها الحكومة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار