أقلام حرة

أميركا ومغربية الصحراء:  حين يلتقي إنصاف التاريخ بإستراتيجيات الأمن القومي!

 

لم يكن اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء، في نهاية عهد إدارة ترامب وامتداده العملي في الإدارات اللاحقة، مجرد إجراء دبلوماسي عابر يمكن التراجع عنه بسهولة. بل يبدو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، جزءاً من منطق إستراتيجي متكامل يدخل صلب الرؤية الأميركية الجديدة للأمن القومي التي صدرت الخميس الماضي. فواشنطن لم تعد تنظر إلى شمال إفريقيا بوصفه فضاءً هامشياً، بل كمنطقة عبور طاقية وتجارية وجيوسياسية ترتبط مباشرة بميزان القوى في الأطلسي والبحر المتوسط.

إنصاف التاريخ ضد غدر الجغرافيا!

من هذه الزاوية، يمكن القول إن الموقف الأميركي هو إنصاف للتاريخ أكثر منه منحة سياسية. فالمغرب لم يكن يوماً طارئاً على الصحراء، بل كان حاضراً بسيادته الرمزية والسياسية في شرقها وغربها، كما تكشف ذلك الأرشيفات الفرنسية والسنغالية والمالية التي درسها المؤرخ المغربي جيلالي العدناني. ففي كتابه “الصحراء على محكّ الاستعمار” يؤكد العدناني أن فرنسا، خلال احتلالها للجزائر، كانت “تعرف جيداً” أن الصحراء امتداد طبيعي للمجال المغربي، ولذلك عملت على تفكيك الرباط التاريخي بين المغرب وعمقه الإفريقي عبر الخرائط المصطنعة وخلق كيانات إدارية هجينة.

هذا الاعتراف الضمني من القوة الاستعمارية نفسها يقوّض السردية الجزائرية التي بُنيت منذ الاستقلال على فكرة “تحرير شعب” لم يكن في الواقع موجوداً بصفته “كياناً سياسياً مستقلاً”. هنا تحديداً يتقاطع التاريخ مع الواقع السياسي المعاصر. فالجزائر، التي ورثت حدوداً رسمتها فرنسا بما يخدم مصالح المستعمرة وليس المنطق الجغرافي، تنكرت للاتفاق التاريخي مع السلطان محمد الخامس حول استعادة المغرب لأراضيه الشرقية، كما يشير العديد من الباحثين. ولمّا شعرت بأن المغرب يستعيد موقعه الطبيعي بعد الاستقلال، قررت الدفع نحو خلق مشكل موازٍ في الصحراء الغربية بهدف محاصرته من الغرب بعدما تم تحجيمه من الشرق.

ولم يكن ذلك مجرد موقف سياسي، بل مشروع دولة استُخدمت فيه موارد النفط والغاز بلا حدود، حتى تحولت الجزائر اليوم – كما يرى المحلل التونسي خالد الحاج – إلى “اقتصاد ريعي مهدد بالانهيار في أي هزة أسعار”.

الرؤية الأميركية الجديدة: لماذا تعيد واشنطن تأكيد موقفها؟

تأتي الرؤية الأميركية للأمن القومي هذا العام في سياق عالمي مضطرب: صعود الصين، إعادة تشكل التحالفات الأوروبية، التنافس على الطاقة، والهشاشة الأمنية في الساحل. وفي الوثيقة التي صدرت الخميس الماضي، جرى التركيز على ثلاث نقاط تمسّ مباشرة شمال إفريقيا:

1. أمن سلاسل الإمداد والطاقة

2. الاستقرار في المناطق المتاخمة للمتوسط

3. مواجهة التغلغل الروسي والصيني في الساحل

وهنا بالضبط يدخل المغرب. فالمحلل الأميركي جيفري هوارد كتب مؤخراً في Foreign Affairs أن “المغرب أصبح الدولة الأكثر استقراراً وقابلية لبناء شراكات طويلة المدى في شمال إفريقيا، خاصة بعد تراجع الجزائر اقتصادياً وسياسياً”.

وفي السياق نفسه، يرى الباحث الفرنسي إيمانويل دوبوي أن اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء “ليس هدية سياسية بل استثمار استراتيجي في دولة محورية تربط الأطلسي بالساحل”.

لماذا يقلق نزاع الصحراء حكام واشنطن؟

لأن المنطقة ليست فقط صحراء شاسعة، بل ممر دولي للطاقة يمكن للمغرب أن يحوله إلى محور ربط بين الغاز الإفريقي والأسواق الأوروبية. فالرباط تبني منذ سنوات رؤية اقتصادية وجيوسياسية تجعلها طرفاً مركزياً في مشروع “أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب”. وهذا المشروع ليس مجرد بنية تحتية، بل مشروع جيوسياسي ينافس النفوذ الجزائري مباشرة، ويؤثر على السوق الأوروبية التي تسعى للتخلص من الغاز الروسي والجزائري في آن واحد.

ومن هنا، فإن واشنطن ترى في استقرار الصحراء شرطاً لاستقرار شمال غرب إفريقيا. إذ لا يمكن لأميركا – كما يقول المحلل المغربي محمد البقالي – “أن تراهن على حليف استراتيجي في الساحل دون أن تضمن وحدة مجاله الترابي”.

الجزائر: استمرار العقيدة الاستعمارية بوجه قومي!

ما تكشفه الأرشيفات، حسب العدناني، هو أن العقيدة الجزائرية تجاه الصحراء ليست جديدة، بل امتداد مباشر لسياسات حكام الجزائر الفرنسية. فالضباط الفرنسيون الذين كانوا يتصورون الجزائر مركز قوة إقليمية، نقلوا الرؤية نفسها إلى النخب العسكرية بعد الاستقلال. ومبدأ “عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار” الذي رفعه محمد بجاوي، لم يكن سوى أداة للحفاظ على المكاسب الترابية التي حصلت عليها الجزائر بفضل فرنسا الاستعمارية.

بل إن الجزائر – كما تثبت وثائق الأمم المتحدة – عارضت بشدة مشروع تصفية الاستعمار في الصحراء سنة 1966، وفضّلت التحالف مؤقتاً مع إسبانيا الاستعمارية على التعاون مع المغرب المستقل.

خلاصة: لماذا وقفت أميركا مع المغرب؟

لأن المغرب يمثّل في نظر واشنطن ثلاثة أشياء متداخلة:

1. عمقاً تاريخياً ثابتاً في الصحراء تؤكده الأرشيفات الأوروبية، وليس مجرد ادعاء سياسي.

2. حليفاً استراتيجياً مستقراً في منطقة مضطربة، مقارنة بجار(الجزائر) يعيش أزمة شرعية داخلية وانكفاءً اقتصادياً وصراعات على حدوده الجنوبي (مالي والنيجر) والشرقي مع ليبيا.

3. مركز ربط جديد للطاقة والتجارة بين الأطلسي وإفريقيا وأوروبا، ضمن رؤية أميركية تقلّص اعتمادها على مسارات خاضعة لروسيا أو الصين.

وهكذا يتقاطع التاريخ مع السياسة، اعتراف أميركا بمغربية الصحراء هو انتصار للحقائق التاريخية التي كشفها الباحثون، وفي الوقت نفسه جزء من هندسة أمن قومي جديدة تضع المغرب في قلب معادلة إفريقيا الشمالية والأطلسية.

أما الجزائر، فبدعمها المستمر للمشروع الانفصالي، لا تدافع عن حق تقرير المصير كما تزعم، بل عن إرث جغرافي منحته لها فرنسا وتخشى أن يختلّ إن عاد المغرب إلى حدوده الطبيعية شرقا وغربا.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار