الرأي والتحليل

أوروبا تعيد تسليح نفسها: هل نحن أمام ولادة عقيدة ردع جديدة تُغيّر موازين القوى عالميًا؟

«إنّ أخطر لحظات التاريخ ليست تلك التي تُشعل فيها الحروب، بل تلك التي تتردّد فيها الأمم في حماية السلام.»

يشكّل التصريح المشترك الصادر عن رئيس أركان القوات المسلحة البريطانية ريتشارد نايتون ونظيره الألماني كارستن بروير تحوّلاً نوعياً في الخطاب العسكري الأوروبي؛ إذ لم يعد النقاش محصوراً في مستويات الإنفاق الدفاعي أو الجاهزية التقنية، بل انتقل إلى مستوى “الشرعية الأخلاقية” لإعادة التسلّح. هذا التحول اللغوي ليس تفصيلاً بل مؤشر على إعادة صياغة الإطار القيمي للأمن الأوروبي في ظل بيئة جيوسياسية مضطربة.

أولاً: البعد الأخلاقي كأداة سياسية ـ استراتيجية

إدراج مفهوم “الحجة الأخلاقية” في سياق التسلّح يعكس محاولة واعية لإعادة بناء التوافق المجتمعي داخل أوروبا، حيث عانت الحكومات لعقود من حساسية الرأي العام تجاه التوسع العسكري بعد الحرب الباردة. الخطاب الجديد لا يبرر القوة لذاتها، بل يقدّمها كوسيلة ردع تحفظ السلام. هذا التكييف الخطابي يهدف إلى:

  • تقليل مقاومة الرأي العام لزيادات الميزانيات الدفاعية.
  • إضفاء مشروعية قيمية على سياسات الردع.
  • توحيد الخطاب الأوروبي في مواجهة سرديات مضادة قادمة من الشرق.

ثانياً: المؤشرات الرقمية للإنفاق العسكري الأوروبي

تشير بيانات معاهد دراسات السلام الدولية إلى أن:

  • إنفاق الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو تجاوز 380 مليار دولار سنوياً في السنوات الأخيرة، بزيادة تقارب 30–35% مقارنة بعام 2014.
  • ألمانيا رفعت ميزانيتها الدفاعية بما يفوق 50% خلال عقد واحد، مع إنشاء صندوق استثنائي للتحديث العسكري قُدِّر بنحو 100 مليار يورو.
  • المملكة المتحدة تحافظ على إنفاق دفاعي يقارب 2–2.3% من ناتجها المحلي، مع خطط لرفعه تدريجياً.

هذه الأرقام تكشف أن “إعادة التسلّح” ليست مجرد خطاب بل مسار مالي ـ صناعي متكامل يعيد تنشيط سلاسل التوريد الدفاعية الأوروبية.

ثالثاً: دور المنابر الإعلامية في شرعنة التحول

نشر الرسالة في صحيفتي The Guardian وDie Welt لم يكن اختياراً عشوائياً؛ فالمنصتان تمثلان تيارين إعلاميين مؤثرين في الرأي العام البريطاني والألماني. توظيف الإعلام هنا يحقق ثلاث وظائف:

  1. توسيع دائرة النقاش خارج الأوساط العسكرية.
  2. تأطير الرسالة ضمن خطاب عقلاني ـ أخلاقي.
  3. توجيه النخب السياسية نحو تبنّي سياسات دفاعية أكثر جرأة.

رابعاً: السياق الجيوسياسي — من الردع إلى إعادة التموضع

التحذير من تحوّل روسيا “بشكل حاسم نحو الغرب” يأتي في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، وهو ما أعاد تعريف أولويات الأمن الأوروبي. التقديرات الاستراتيجية تشير إلى أن:

  • الوجود العسكري الروسي على الحدود الشرقية لأوروبا زاد كثافةً ونوعيةً منذ 2022.
  • المناورات المشتركة داخل أوروبا ارتفعت بنسب تتجاوز 40% خلال ثلاث سنوات.
  • الاستثمارات في الدفاع السيبراني وأنظمة الدفاع الجوي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً داخل الميزانيات العسكرية.

خامساً: مؤتمر الأمن كمنصة لإعادة صياغة العقيدة

انعقاد النقاش عقب Munich Security Conference يضفي على الرسالة بعداً مؤسسياً؛ فالمؤتمر تحوّل في العقد الأخير إلى مختبر أفكار للسياسات الدفاعية الأوروبية. التوصيات غير الرسمية الصادرة عنه غالباً ما تجد طريقها إلى السياسات الوطنية خلال أشهر قليلة.

سادساً: “المجتمع بأسره” — توسيع مفهوم الدفاع

الإشارة إلى أن الدفاع “لا يمكن أن يكون حكراً على العسكريين” تعكس انتقال أوروبا من مفهوم الدفاع التقليدي إلى الأمن الشامل الذي يشمل:

  • البنية التحتية الرقمية والطاقة.
  • سلاسل الإمداد الغذائية والصناعية.
  • وعي المواطنين ومشاركتهم في خطط الطوارئ.

هذا التوسيع المفاهيمي يهدف إلى رفع منسوب “المناعة الوطنية” وليس فقط “القوة النارية”.

الرسالة المشتركة ليست مجرد موقف عسكري بل إعلان عن تحول ذهني أوروبي: من ثقافة “تقليص الجيوش” إلى ثقافة “الردع الأخلاقي”. الأرقام تدعم الاتجاه، والمنابر الإعلامية تهيئ الرأي العام، والمؤتمرات الدولية تمنح الغطاء الفكري. أوروبا، في ضوء هذه المؤشرات، لا تتجه إلى عسكرة متهورة، بل إلى إعادة توازن محسوبة بين القوة والقيم، حيث تُقدَّم القوة كوسيلة لحماية السلام لا كنقيضٍ له.

رأي خبير إستراتيجي:
يرى الخبير الإستراتيجي Dan Smith، رئيس SIPRI، أنّه:
«لا يوجد في المرحلة الراهنة بديل واقعي عن إعادة تسليح أوروبا في مواجهة التحديات الجيوسياسية المتصاعدة، غير أنّ أي زيادة في الإنفاق الدفاعي ينبغي أن تقترن بتخطيط دقيق ورؤية إستراتيجية واضحة تضمن تحقيق أمنٍ مستدام على المدى الطويل.»

رأي هيئة التحرير:
من منظور تحريري، فإن أوروبا تقف عند مفترق تاريخي دقيق؛ فإمّا أن تنجح في تحقيق معادلة التوازن بين الردع والمسؤولية الأخلاقية، وإمّا أن تجد نفسها في دائرة سباق تسلّح بلا سقف. غير أنّ المؤشرات الراهنة توحي بأن القارة العجوز تميل إلى مقاربة عقلانية تدريجية، تسعى فيها إلى حماية السلام عبر قوة محسوبة، لا عبر استعراض القوة.

 

■ الخبير الاستراتيجي دان سميث : هو رئيس معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)، وهو من أبرز الخبراء في مجال الأمن والدفاع الأوروبي، وقد ناقش دور الإنفاق العسكري الأوروبي وضرورة زيادة القدرات الدفاعية مع التأكيد على الفاعلية والتعاون في استخدامها.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار