أقلام حرة

إمبراطورية الذكاء الاصطناعي والتحالفات المظلمة: كيف تُصنع التكنو-إقطاعية ونحن نتفرّج؟

 

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقدّم تقني يثير الإعجاب أو القلق. ما يحدث أكبر من ذلك بكثير. فخلف الضجيج والوعود

والابتسامات اللامعة، تتشكل طبقة جديدة من السلطة؛ طبقة لا تحتاج لدبابات أو انتخابات، بل تحتاج فقط لشيء واحد: بياناتنا.

هذه الحقيقة التي يُراد لنا ألا نراها تختبئ وراء الأسطورة المريحة: “التكنولوجيا محايدة” لكن لا شيء في التكنولوجيا محايد. لا النوايا، ولا المنصات، ولا الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الإنسان نفسه.

كانت ألمفكرة الامريكية شوشانا زوبوف Shoshana Zuboff محقّة حين قالت إننا لم نعد مستهلكين، بل موارد بشرية تُستخرج منها البيانات كما تُستخرج المعادن من باطن الأرض. ننتج قيمة دون أن نشعر، وبدون مقابل، بينما تُعاد صياغة عاداتنا واختياراتنا ووعينا بشكل تدريجي وهادئ. والمفارقة أن اليسار الذي أمضى عقودًا يحارب من أجل العامل في المصنع، لم ينتبه إلى أن العامل الحقيقي اليوم ليس في المصنع أصلًا؛ بل في جيبه، في هاتفه، في كل نقرة صغيرة يظن أنها بلا معنى.

عشاء يكشف أكثر مما يخفي

الضجة التي أثارها بيرني ساندرز بعد العشاء الذي جمع نخبة وادي السيليكون بشخصيات سياسية نافذة في البيت الأبيض الأمريكي يوم الثلاثاء 18 نونبر 2025 لم تكن مجرد انفعال. كانت صفّارة إنذار. فالصورة التي مرت مرور الكرام لرجال أعمال يسيطرون على مستقبل التكنولوجيا في العالم يجلسون على مائدة واحدة مع سلطة تبحث عن مزيد من النفوذ ، تكشف معنى جديدًا للتحالفات في القرن الحادي والعشرين تتجاوز الحدود الوطنية، تحالف لا يهتم بالديمقراطية ولا بالحقوق وكل القيم التي تكتب كوصفات طبية تعطى للإنسان العادي (المريض)، بل بموازين القوة الجديدة: من يوفّر البيانات؟ من يضمن استمرار الإمبراطورية الرقمية؟

والمشهد يتكرر اليوم في أكثر من مكان، من واشنطن إلى الرياض، حيث يتجمع عمالقة التقنية حول موائد تُحسم عليها سياسات المستقبل.

يمين مربَك ويسار تائه

السياسة، كعادتها، متأخرة خطوة كاملة عن فهم ما يجري: فبينما الليبراليون عالقون بين إيمانهم الرومانسي بالمنافسة وخوفهم من الوحوش الاحتكارية التي خلقوها بأيديهم، نجد المحافظون الجدد( بشقيه الديني والوطني) تائهون بين هوس السيطرة العالمية وبين القيم الديمقراطية التي يُفترض أنهم يدافعون عنها. اما اليسار بجميع تياراته لا يزال يبحث عن العامل المقهور في المصنع بينما العامل الحقيقي أصبح “مزوّدًا للبيانات” يعمل ليلًا ونهارًا بلا أجر عبر المنصات الرقمية المحيطة به من كل الجهات. هكذا، بينما تتشاجر الأيديولوجيات حول مفاهيم القرن الماضي، يُعاد ترتيب السلطة في صمت وبدون ضجيج.

إمبراطورية تُصنع الآن لا غدًا

ما نعيشه ليس مستقبلًا بعيدًا،إنه حدث جارٍ التحميل. تتشكل طبقة التكنو-إقطاعية أمام أعيننا: طغمة تملك التكنولوجيا، وتحتها جمهور يعيش داخل شاشات يظن أنها تمنحه الحرية بينما تعيد تشكيله، خطوة خطوة، ليصبح منتجًا للبيانات لا أكثر.

وإذا لم نطرح الأسئلة الصحيحة :من يملك التكنولوجيا؟ من يستفيد؟ من يراقب من؟ سنستيقظ ذات يوم على عالم لا نملك فيه إلا هواتفنا، بينما كل شيء آخر، السلطة والمعرفة والاقتصاد، سيكون في يد أوليغارشية لا تظهر إلا حين تجلس إلى مائدة عشاء.

برمنغهام 19نونبر 2025

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار