أقلام حرة

اتفاقية 1972 بين المغرب والجزائر: ترسيم حدود… أم صفقة تاريخية مزدوجة؟

 

قراءة تحليلية في اتفاقية 1972 بين المغرب والجزائر ومنجم غار جبيلات: بين النص القانوني والواقع الجيو‑اقتصادي

“الحدود تُرسم بالحبر على الورق، لكنها تُختبر دائمًا بميزان المصالح على الأرض.”

 حين تُرسم الحدود… ولا تُغلق الملفات

في العلاقات الدولية، نادرًا ما تكون اتفاقيات ترسيم الحدود مجرد خطوط على الخرائط. بل تتحول غالبًا إلى حزم أو “سلال تفاهمات” تجمع بين السيادة والموارد الطبيعية وموازين القوة الإقليمية. ومن هذا المنطلق يندرج اتفاق 1972 بين الملك الحسن الثاني والرئيس هواري بومدين ضمن هذا النوع من الاتفاقات، حيث تداخلت الحدود والهوية الترابية والثروات الباطنية في معادلة واحدة.

وعلى هذا الأساس يقدّم كثيرون الاتفاق في النقاش العام باعتباره “حزمة تفاهمات” (Package) تضمنت تسوية حدودية وتفاهمات اقتصادية، وعلى رأسها منجم غار جبيلات للحديد. غير أن التمييز بين ما ينص عليه القانون وما يتداوله الخطاب السياسي أو الإعلامي يظل ضروريًا، خصوصًا عندما تختلط القراءة القانونية بالسرديات الشعبية.

أولًا: ماذا نعرف يقينًا عن اتفاق 1972؟

  • الاتفاقية الموقعة سنة 1972 هدفت أساسًا إلى ترسيم الحدود البرية بين البلدين بعد سنوات من التوتر التي أعقبت حرب الرمال (1963).
  • ومن الناحية القانونية البحتة، تشير النصوص المنشورة في الأدبيات القانونية إلى طابع حدودي-سيادي واضح للاتفاق، دون أن ينفي ذلك وجود تفاهم اقتصادي حول منجم غار جبيلات ضمن إطار شركة مشتركة.
  • وبعبارة أخرى، كرّست الاتفاقية ترسيم الحدود، وفي الوقت نفسه وضعت إطارًا للتعاون الاقتصادي المشترك.

ثانيًا: منجم غار جبيلات… أرقام الاقتصاد قبل عناوين السياسة

يقع منجم غار جبيلات في الجنوب الغربي للجزائر قرب الحدود مع موريتانيا. ويُعد فعليًا من أكبر مكامن الحديد غير المستغلة تاريخيًا في إفريقيا:

  • احتياطي تقديري: بين 2 و3.5 مليارات طن من خام الحديد.
  • نسبة الحديد: غالبًا 30% – 35%، وهو ما يفرض عمليات معالجة وإثراء قبل التسويق.
  • التحدي اللوجستي: يبتعد المنجم عن الموانئ أكثر من 1,000 كيلومتر، وبالتالي ترتفع كلفة النقل بشكل حاسم.
  • حجم الاستثمارات التحتية: قد تصل مشاريع السكك الحديدية والموانئ إلى مليارات الدولارات قبل تحقيق عائد فعلي.

لذلك ظل المنجم لعقود مشروعًا مؤجلاً. إذ إن الثروة الجيولوجية وحدها لا تكفي دون بنية نقل فعالة وقابلية تصدير.

ثالثًا: “روح الاتفاق” في مواجهة “حرفيته”

وفق اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969)، يستند الاحتجاج القانوني إلى:

  • النص المكتوب والالتزامات المحددة بوضوح.
  • الإخلال الجوهري ببند أساسي يؤثر في غرض الاتفاق.

في المقابل، تبقى “روح الاتفاق” حجة سياسية أو أخلاقية. ولا تتحول إلى سند قضائي حاسم إلا إذا دعمتها وثائق ملزمة أو ملاحق رسمية.

اتفاقية فيينا نفسها تؤكد مبدأ العقد شريعة المتعاقدين حيث تنص المادة 26 على أن “كل معاهدة نافذة ملزمة الأطراف ويجب تنفيذها بحسن نية.” وهذا المبدأ هو من الركائز الأساسية في احترام وتنفيذ الالتزامات التعاقدية الدولية.

رابعًا: النصوص القانونية حول غار جبيلات

وعند مراجعة نص اتفاقية التعاون المغربية–الجزائرية لعام 1972، المنشورة في الجريدة الرسمية الجزائرية، 15 يونيو 1973، نجد:

  • الاتفاقية نصّت على تأسيس شركة جزائرية–مغربية مشتركة لاستثمار منجم غار جبيلات، مع حصة متساوية 50% لكل طرف، ومدة 60 سنة لإنجاز المهمة.
  • يتضمن النص أن للشركة مقرّان في البلدين، وأن حرية المرور بين المنجم والميناء الأطلسي متاحة لنقل الخام والمعدات.
  • بعد انتهاء مدة الشركة، يُشترط أن تتشاور البلدان لإعادة تحديد صيغة التعاون المستقبلية.

هذا يدل على أن الاتفاقية لم تقتصر على ترسيم الحدود فقط، بل شملت إنشاء شركة مشتركة لاستثمار المنجم وتقاسم المنافع بين الطرفين.

خامسًا: التحليل القانوني الدولي

في القانون الدولي، يشكل مبدأ العقد شريعة المتعاقدين (Pacta Sunt Servanda) جوهر العلاقات المعاهَدية. وهذا المبدأ — كما ورد في ديباجة اتفاقية فيينا — يرسّخ الاعتراف العالمي بأن الالتزامات الدولية تُنفَّذ بحسن نية وباحترام تام للمعاهدة.

يرتبط بهذا مباشرة حسن النية في التنفيذ، وهو ما يشدد عليه فقهاء القانون الدولي عند تفسير التزامات الدول.

وعند تطبيق هذين المبدأين على اتفاقية 1972، يتضح أن أهم التزامات الأطراف ليست شكلية بل جوهرية، وبما أن الاتفاقية نصّت على تنظيم استغلال المنجم ضمن شركة مشتركة وتقاسم المنافع، فإن إخلال أي طرف بهذه الالتزامات الجوهرية — مثل قيام الجزائر باستغلال المنجم منفردة دون شريك — يعد إخلالًا جوهريًا بالاتفاقية.

اتفاقية فيينا في المادة 60 تنص على أن الإخلال الجوهرى باتفاق ثنائي يعطي للطرف المتضرّر حق الاحتجاج به كسبب لإنهاء المعاهدة أو تعليق تنفيذها كليًا أو جزئيًا.

بناءً على هذا، يكون للمغرب حق قانوني دولي في:

  1. المطالبة بالتعويض عن استغلال المنجم من قِبل الطرف الآخر خارج نص الاتفاق.
  2. طلب إعادة الوضع إلى ما كان عليه أو تعديل الالتزامات التي لم تُنفَّذ بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي للمعاهدات.

سادسًا: هل يمكن إعادة فتح ملف الحدود؟

من حيث المبدأ، يسمح القانون الدولي بمبدأ “إعادة الحال إلى ما كان عليه” (Status Quo Ante)، لكن عمليًا يظل تطبيقه على اتفاقيات الحدود استثنائيًا ونادرًا، لأن استقرار الحدود يعد ركيزة أساسية للسلم الإقليمي.

  • إعادة التفاوض تظل ممكنة سياسيًا إذا توفرت الإرادة المشتركة.
  • أما الإبطال الأحادي لاتفاق حدودي فيبقى محدود القبول دوليًا.

سابعًا: الاقتصاد السياسي للحديد… من يربح فعليًا؟

ليست المسألة “إما ممر معين أو لا شيء”. بل هي حسابات تكلفة وعائد:

  • تقلبات أسعار الحديد عالميًا قد تصل إلى 30–40% خلال دورات قصيرة.
  • قد تبتلع كلفة النقل هامش الربح إذا لم تتوفر بنية تحتية فعالة.
  • وفي المقابل، يمكن لتنويع الشراكات أو بناء ممرات جديدة أن يعيد التوازن، غير أن ذلك يتطلب رأسمالًا ضخمًا وزمنًا طويلًا.

رأي هيئة التحرير

ترى هيئة التحرير أن الجدل الدائر حول اتفاق 1972 ومنجم غار جبيلات يعكس صراعًا بين سرديتين متوازيتين:

  • سردية سياسية: ترى الاتفاق كـ “حزمة تبادلية”.
  • سردية قانونية: تلتزم بحرفية النصوص المنشورة.

وبينهما تقف البراغماتية الاقتصادية التي تذكّر بأن الثروات الطبيعية لا تتحول إلى قوة جيوسياسية إلا عبر بنية تحتية وأسواق مستقرة وإرادة تعاون، حتى بين الخصوم.

وبالتالي، قد تُغلق الحدود نزاعًا على الورق، لكنها لا تُغلق دائمًا ملفات المصالح، إذ تُدار هذه الأخيرة بتوازن دقيق بين القانون والاقتصاد والاستقرار الإقليمي.

لا تحسم الموارد الطبيعية وحدها مصير الاتفاقات. كما لا تكفي “روح التفاهم” لإعادة رسم الخرائط. بل يتولد الحسم الحقيقي عند تقاطع النص القانوني مع المصلحة الاقتصادية ومعادلات الاستقرار، وهي معادلة معقدة لا تختزل في موقف واحد، وإنما تُدار بنَفَس طويل بين الممكن والمرغوب.

المراجع القانونية الأساسية المستخدمة:

  • اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، المادة 26 (العقد شريعة المتعاقدين، حسن النية) و60 (آثار الإخلال الجوهري).

 

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار