أقلام حرة

التهديد القادم:البرازيل وكولومبيا في عقيدة مونرو الجديدة!

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بما يجري في فنزويلا، يبدو لي أننا نغفل عن “الصورة الكبرى” التي تُطبخ على نار هادئة في البرازيل وكولومبيا. الحقيقة أن كلام دونالد ترامب اليوم لم يعد مجرد شعارات انتخابية أو “بروباغندا” لتخويف الخصوم، بل هو إعلان صريح عن عقيدة سياسية بدأت تأخذ طريقها للتنفيذ. نحن أمام محاولة جادة لإعادة عقارب الساعة في القارة الأمريكية إلى الوراء، حيث واشنطن هي المرجعية الوحيدة، والأبواب موصدة تماماً أمام أي ظل صيني. خذ مثلاً ما يحدث مع كولومبيا؛ الخلاف مع “غوستافو بيترو” لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر السياسية، بل تحول إلى استهداف مباشر. عندما يتهم ترامب بيترو علناً ويسحب منه امتيازات الشراكة الأمنية، فهو لا يرسل برقية دبلوماسية، بل يمهد الأرض لاستخدام “ملف المخدرات” كذريعة قانونية وأخلاقية لأي تدخل قادم تحت لافتة الأمن القومي. غوستافو بيترو نفسه يدرك هذا الخطر، وحديثه عن “إيقاظ النمر” يظهر قلقه، لكنه قلق “المحاصر” الذي رأى كيف تهاوى النظام في فنزويلا بسرعة لم يتوقعها أحد، وبدون أي ثمن حقيقي يدفعه المهاجم.

لكن “الجائزة الكبرى” والساحة الحقيقية لكسر العظم هي البرازيل. واشنطن لا تتعامل مع البرازيل كدولة جارة، بل كعقبة اقتصادية يجب تفكيك ارتباطها العضوي بالصين. الصين هي الشريك التجاري الأول للبرازيل، والمستورد الأكبر لخام الحديد والصويا. بكين بدأت تستخدم “سفينة السلام” (Arc Silk Road) للتغلغل البحري في المحيط الأطلسي، وهو ما تراه واشنطن “خطاً أحمر”. ليس هذا الاندماج البرازيلي الصيني في قطاعات الزراعة والمواد الخام هو ما يجعل الإدارة الأمريكية الحالية ترى في “لولا دا سيلفا” ونهجه خصماً يجب تحجيمه. وهنا أرى أن الضجيج المثار حول “اضطهاد بولسونارو” ليس حباً في الديمقراطية، بقدر ما هو وسيلة ضغط لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في برازيليا بما يضمن قطع الطريق على بكين. وهنا يبقى الخيار المستحيل الذي يواجه الرئيس لولا دا سيلفا والأصعب في تاريخه: فإما أن ينحاز لواشنطن ويخسر محركه الاقتصادي (الصين)، أو يستمر في التحالف مع بكين ويواجه “مصير مادورو” عبر عقوبات خانقة أو تدخل سياسي مباشر. جوهر ما يفعله ترامب بسيط ومرعب في آن واحد: الأمريكيتان هما “مربع النفوذ الخاص” لولايات المتحدة، ولا مكان فيهما لاستثمار أو نفوذ أو حتى سفينة صينية واحدة. الرسالة التي وصلت للجميع الآن هي أن ثمن الشراكة مع الصين لن يكون اقتصادياً فقط، بل قد يكلف الأنظمة بقاءها في السلطة.

باختصار، نحن لسنا أمام سحابة صيف عابرة، بل أمام عملية “اقتلاع” شاملة للنفوذ الدولي في القارة. نحن أمام “سايكس بيكو” لاتينية جديدة. البرازيل وكولومبيا ليستا مجرد دولتين جارتين، بل هما الركيزتان اللتان ستقرر واشنطن عبرهما من يسيطر على “الأطلسي الجنوبي” و”سوق المعادن الاستراتيجية”. إن عام 2026 لن يكون عام الديمقراطية في القارة، بل عام “البيعة” للقوة العظمى الوحيدة التي قررت العودة لمنزلها القديم (أمريكا اللاتينية) وإغلاق الأبواب أمام الجميع. ما جرى في فنزويلا كان “البروفة” أو النموذج الأولي لإثبات الجدية، والسؤال الآن ليس عما ستفعله واشنطن، بل عن مدى قدرة العواصم اللاتينية على الصمود قبل أن يجدوا أنفسهم مجبرين على الاختيار المرّ: واشنطن أو العزلة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار