الجار الخليجي: حين تدفع الجغرافيا ثمن العجز العسكري!
استيقظت المنطقة اليوم على مشهد كان الجميع يخشى وقوعه، هجوم أمريكي-اسرائيلي على ايران وفي وضح النهار. وبغض النظر عن الاهداف وخلفيات الصراع ، ما أثارني صراحة هذه المرة هي تلك المفارقات السياسية والميدانية الشديدة الخطورة. فبينما كان الدخان يتصاعد من أهداف داخل إيران جراء هذه الضربة المشتركة، كانت الصواريخ الإيرانية تنهمر على دول الخليج في ردٍّ يطرح تساؤلات جوهرية حول “بنك الأهداف” الإيراني وتوقيته.
لقد سقطت بالفعل (وستسقط لاحقا لاشك)بضع صواريخ إيرانية داخل اسرائيل، لكنها كانت سقطات خامدة، لم تحقق أي خرق استراتيجي يُذكر، حيث نجحت منظومات الدفاع الجوي (آرو، ومقلاع داوود) في اعتراضها بالكامل تقليلًا لأي ضرر مادي أو بشري. هذا الفشل في الوصول إلى أهداف حيوية داخل إسرائيل يضع صانع القرار الإيراني في مأزق “هيبة الرد”، مما يدفع بضرورة إيجاد “ساحة تعويضية” تكون فيها الأهداف أقرب، والدفاعات أقل كثافة، والرسالة السياسية أسرع وصولاً.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كان الرد على “المعتدي الأصلي” قد فشل تقنياً، فما الجدوى من تحويل بوصلة النيران نحو الجار الخليجي؟
المفارقة الأولى والأساسية في أحداث اليوم هي الموقف الخليجي الواضح الذي سُبق به الهجوم؛ حيث أعلنت العواصم الخليجية (وعلى رأسها الرياض ومسقط والدوحة) رفضاً قاطعاً لاستخدام أراضيها أو مجالها الجوي كمنطلق لأي عمل عسكري ضد طهران. هذا الموقف لم يكن مجرد تصريح دبلوماسي، بل كان محاولة جادة للنأي بالمنطقة عن أتون حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. ومع ذلك، جاء الرد الإيراني مستهدفاً العمق الخليجي وكأن هذا الحياد لم يكن. طهران تتمسك بتبرير جاهز: “نحن نستهدف القواعد الأمريكية الموجودة في هذه الدول”. لكن نظرة فاحصة على مسرح العمليات العسكرية اليوم تكشف وهن هذا العذر. التقارير الميدانية والمصادر العسكرية تؤكد أن الموجات القتالية التي ضربت الداخل الإيراني لم تخرج من مدرجات المطارات الخليجية، بل كانت ضربة من أعماق البحار.
لقد اعتمدت الولايات المتحدة في هجومها اليوم بشكل أساسي على الغواصات النووية الراسية في مياه بحر العرب والمحيط الهندي، وعلى القاذفات الاستراتيجية التي لا تحتاج بالضرورة للمرور عبر الأجواء المرفوضة سياسياً. هذا المعطى التقني يحوّل الاستهداف الإيراني لدول الخليج من “رد دفاعي ضد منطلق الهجوم” إلى “عملية انتقامية جغرافية” تهدف للضغط على الحليف لضرب الشريك.لذا، فإن الجدوى الحقيقية من قصف العمق الخليجي هي ممارسة “ابتزاز جيوسياسي”. كذلك ارى ان الهدف من الرد في الأراضي الخليجية – من منظور إيراني متشدد – هو إجبار هذه الدول على ممارسة ضغط قصوى على واشنطن لوقف الهجمات. إيران تحاول القول بأنه “لا توجد منطقة خضراء” في هذا الصراع. لكن هذا التكتيك يرتد عسكرياً وسياسياً؛ فهو يثبت أن الرفض الخليجي لفتح الأجواء لم يشفع لها، مما قد يدفع هذه الدول مستقبلاً لإعادة النظر في منظوماتها الدفاعية وتحالفاتها الأمنية بشكل أكثر راديكالية.
بعد سنوات من الجهود المضنية لخفض التصعيد (مثل اتفاق بكين وغيره)، جاءت صواريخ اليوم لتضع هذه التفاهمات في مهب الريح. التساؤل الآن ليس عن حجم الأضرار المادية، بل عن الجدوى من أي “ضمانات سياسية” مستقبلاً. لقد قدمت دول الخليج نموذجاً نادراً في العرف العسكري بحظر أجوائها أمام القوة العظمى (أمريكا) لحماية جارتها (إيران). الأمانة التاريخية تقول إن هذا الموقف كان “طوق نجاة” جيو-سياسي لطهران. لكن الرد بقصف القواعد داخل هذه الدول ينهي تماماً فرضية أن إيران تحترم سيادة جيرانها المحايدين. إنه استبدال للهدف الصعب (إسرائيل وأمريكا ) بالهدف الأقرب جغرافياً والأكثر تأثيراً على الاقتصاد العالمي، وهو سلوك يفتقر للجدوى العسكرية المباشرة بقدر ما يهدف لإثارة الفوضى الإقليمية للتغطية على عدم فعالية الرد في العمق الإسرائيلي.
فيكفي النظر، بعيداً عن الأرقام المجردة، إلى هذا الاستهداف الإيراني “غير المبرر” لدول الخليج ، لنجد انفسنا أمام حقيقة جيوسياسية مُرّة؛ فبينما تقفز تكاليف التأمين البحري وتترنح ثقة العالم في أمن الطاقة نتيجة تهديد الملاحة في مضيق هرمز، تجد العواصم الخليجية نفسها اليوم مجبرة على تمزيق “ورقة الحياد” التي لم تشفع لها، والتحول نحو بناء ترسانات دفاعية وتحالفات أمنية أكثر صرامة مع الغرب لمواجهة خطر لم يعد يحترم المسافات ولا المواقف الدبلوماسية، مما يعني عملياً خسارة طهران لأهم “وسطاء السلام” الإقليميين (كعمان وقطر) الذين سيجدون حرجاً بالغاً في لعب دور “صمام الأمان” لجارٍ لم يتردد في تحويل أراضيهم إلى ساحة لتفريغ إحباطاته العسكرية.
وكخاتمة اعتقد ودون ادني شك ان ايران ارتكبت خطأً استراتيجياً مكلفاً ،فبينما فشلت صواريخها في اختراق “القبة الحديدية” الإسرائيلية، نجحت في اختراق “جدار الثقة” مع جيرانها. إن استبدال الهدف العسكري الصعب (إسرائيل وأمريكا ) بهدف سياسي سهل (الخليج) هو اعتراف ضمني بالعجز عن الرد الحقيقي، وهو مقامرة قد تنتهي بعزلة إقليمية خانقة تفوق في أثرها الضربة الأمريكية نفسها.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار