أقلام حرة

الذكاء الاصطناعي وإعادة تعريف الحرب

 

سلسلة: حروب بلا جبهات: كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل الصراع العالمي

“ففي الصمتِ تشتدُّ القوّة، كما تُخفي البحارُ في أعماقِها أسرارَها.”

في زمن تتقدّم فيه الخوارزميات بسرعة تفوق قدرة البشر على الاستيعاب، لم تعد الحروب تُدار كما عُرفت لعقود طويلة. لم تعد الجبهات خطوطًا مرسومة، ولا المعارك أصواتًا مدوية، ولا التفوق عددًا من السفن أو الطائرات.
سلسلة “حروب بلا جبهات” تسعى إلى تفكيك التحول العميق في طبيعة الصراع الدولي، حيث تنتقل القوة من الأداة إلى القرار، ومن السلاح إلى العقل، ومن المواجهة المباشرة إلى إدارة غير مرئية للتفوق والردع والمسؤولية.
وفي هذا المسار، لا نقرأ التكنولوجيا بوصفها إنجازًا تقنيًا فحسب، بل باعتبارها عاملًا يعيد تشكيل ميزان القوة ذاته.

المقال الثاني: الذكاء الاصطناعي وإعادة تعريف الحرب

حين تصبح الخوارزمية لاعبًا في ساحة القرار

من الأداة إلى العقل: نقطة التحول الحاسمة

إذا كانت الطائرات غير المأهولة والغواصات الذكية تمثل الأداة الجديدة للحرب، فإن الذكاء الاصطناعي يمثّل العقل الذي يوجّه هذه الأداة.
وهنا لا يتعلق الأمر بتطوير سلاح أسرع أو أدق، بل بظهور مستوى جديد من الصراع تتداخل فيه البيانات، والتنبؤ، واتخاذ القرار شبه الفوري.

لقد اعتادت الجيوش تاريخيًا على التفوق عبر العدد أو التقنية.
لكن اليوم، يتقدّم عامل مختلف: سرعة المعالجة واتساع القدرة على التنبؤ.

الحرب في زمن الخوارزميات

في البيئات القتالية الحديثة، تتدفّق كميات هائلة من البيانات:
أقمار صناعية، رادارات، اتصالات، مستشعرات أرضية وبحرية وجوية.
لم يعد الإنسان قادرًا وحده على استيعاب هذا السيل المعلوماتي في الوقت الحقيقي.
هنا يتدخل الذكاء الاصطناعي لا بوصفه أداة مساعدة فحسب، بل كوسيط بين المعلومة والقرار.

أنظمة التعرّف البصري، التنبؤ بالحركة، تحليل الأنماط، وتوجيه الطائرات بدون طيار أصبحت تعمل في أجزاء من الثانية.
وبذلك، تنتقل الحرب من رد الفعل إلى الاستباق الحسابي.

الأرقام تعكس التحول

تشير تقديرات مراكز أبحاث دفاعية دولية إلى أن الإنفاق العالمي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية تجاوز 9 مليارات دولار خلال السنوات الأخيرة، مع توقعات بتضاعفه قبل نهاية العقد الحالي.
كما تتجه جيوش كبرى إلى دمج الذكاء الاصطناعي في:

  • أنظمة القيادة والسيطرة
  • إدارة سلاسل الإمداد
  • الدفاع السيبراني
  • الطائرات والمركبات غير المأهولة

استراتيجيًا، لا تعكس هذه الأرقام سباق تطوير برمجيات فحسب، بل سباقًا نحو تقليص زمن القرار.

مقاربات القوى الكبرى

الولايات المتحدة

تتبنى مقاربة تقوم على الدمج الشامل بين الإنسان والآلة.
تستثمر مؤسساتها الدفاعية في أنظمة دعم القرار التي تظل خاضعة لإشراف بشري، مع توسيع دور الخوارزميات في التحليل الميداني والتخطيط العملياتي.

الصين

تركّز الصين على التكامل بين الذكاء الاصطناعي والانتشار الواسع للمنصات غير المأهولة.
الهدف ليس التفوق في معركة واحدة، بل تغيير معادلة الكلفة والكم على المدى البعيد.

روسيا

تسعى روسيا إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات الحرب الإلكترونية وأنظمة الدفاع الجوي، مع التركيز على تحييد تفوق الخصم بدل مضاهاة كلفته التقنية.

قوى أخرى

  • الاتحاد الأوروبي يركّز على الأطر الأخلاقية والتنظيمية إلى جانب التطوير التقني
  • إسرائيل وكوريا الجنوبية تستثمران بكثافة في الأنظمة الذكية قصيرة زمن الاستجابة

البعد الأخلاقي: من يتحمل المسؤولية؟

مع انتقال القرار جزئيًا إلى الخوارزميات، يبرز سؤال يتجاوز التقنية:
من يتحمل مسؤولية الخطأ؟
هل هو المبرمج؟ أم القائد العسكري؟ أم المؤسسة التي سمحت للآلة باتخاذ قرار شبه مستقل؟

في هذا السياق، لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد تطور تقني، بل تحديًا قانونيًا وأخلاقيًا عابرًا للحدود.

ماذا يتغير فعليًا في مفهوم الحرب؟

لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين جيوش، بل مواجهة بين أنظمة تحليل وقدرات استباق.
ومع تقلّص زمن القرار، تتقلص أيضًا مساحة التردد البشري.
وهكذا، تنتقل المعركة من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على المعلومة والوقت.

يدخل العالم مرحلة لا يُقاس فيها التفوق بعدد الأسلحة فقط، بل بقدرة الأنظمة على الفهم السريع واتخاذ القرار المحسوب.
فالخوارزمية لا تنام، ولا تتردد، ولا تتأثر بالضغط النفسي.
غير أن غياب التردد لا يعني دائمًا صواب القرار.

رأي هيئة التحرير

الذكاء الاصطناعي لا يغيّر شكل السلاح فحسب، بل يغيّر منطق الحرب ذاته.
الدولة التي تمتلك القدرة على التحليل الفوري، تمتلك القدرة على المبادرة.
لكن التاريخ يعلّمنا أن كل تفوق تقني غير محكوم بإطار أخلاقي واضح، قد يتحول من عنصر ردع إلى مصدر فوضى غير محسوبة.

ويمثّل هذا التحول التكنولوجي مدخلًا ضروريًا لفهم المرحلة التالية من الصراع الدولي، حيث لا يُختبر السلاح في حدّ ذاته، بل تُختبر سلطة القرار، وحدود المسؤولية، ومعنى الردع في عصر تتقدم فيه الخوارزمية على الإنسان.

وفي هذا السياق، يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن للإنسان أن يظل صاحب القرار الأخير في حرب تتسارع أسرع من وعيه؟

 

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار