الصين بين أوروبا وروسيا: إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية الراهنة!
تعيش الجغرافيا السياسية العالمية إحدى أكثر لحظاتها تحوّلاً منذ نهاية الحرب الباردة، حيث برزت الحرب الروسية–الأوكرانية كاختبار يكشف طبيعة التحالفات وحدود النفوذ وموازين القوة الفعلية. ضمن هذا السياق، كانت أوروبا تعتقد أن للصين الدور الحاسم في التأثير على موسكو، باعتبارها الداعم الاقتصادي والتكنولوجي الأبرز لروسيا. فمنذ الأيام الأولى للغزو، راهنت عواصم أوروبية عدّة على أن بكين قد تمارس ضغطاً يعجّل في إنهاء الحرب أو تخفيف حدّتها، وأنها الدولة الوحيدة التي يمكنها “إطفاء الحريق” المتصاعد في شرق القارة. هذا الرهان الأوروبي لم يكن بسيطاً؛ فقد أبدت بعض الحكومات استعداداً لطرح تنازلات استراتيجية غير مسبوقة: تخفيف القيود على الشركات الصينية، تجنّب الخوض في قضايا بحر الصين الجنوبي(تايوان)، وتقديم إشارات إيجابية حول إدماج الصين في البنية الأمنية الأوروبية. كان ذلك يعكس لحظة نادرة بدت فيها أوروبا مستعدة لـ “شراء السلام” بأي ثمن. إلا أن بكين اختارت مساراً مختلفاً تماماً. فلم تُظهر رغبة في لعب دور الوسيط، ولم تقدّم مبادرات تُرضي الأوروبيين، بل اتجهت نحو تعزيز شراكتها مع موسكو ورفع مستوى التعاون العسكري والتقني معها. وهكذا، تلاشى الأمل الأوروبي في استنساخ “خيار كيسنجر” جديد يعيد رسم خطوط التوازن بين الشرق والغرب.
لماذا فضّلت الصين روسيا على أوروبا؟
السؤال الذي يشغل النخب السياسية في بروكسل وبرلين وباريس هو: لماذا تجاهلت بكين الفرصة الذهبية لتقريب المسافات مع أوروبا؟ للإجابة على ذلك، يشير عدد من الباحثين – منهم وزير الخارجية الليتواني السابق غابرييلوس لاندسبيرغيس ، إلى أن الاعتقاد الأوروبي بإمكانية “كسب الصين” كان مبالغاً فيه. فالاتحاد الأوروبي، في نظر بكين، ليس لاعباً مستقلاً؛ إذ يظلّ مرتبطاً بواشنطن بشبكة أمنية واقتصادية ممتدة منذ سبعة عقود. وحتى عندما تزداد الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة، لا تتوقع الصين أن يؤدي ذلك إلى انفصال جذري بينهما. من هذا المنظور، تبدو أوروبا شريكاً غير موثوق، بطيء القرار، مليئاً بالفيتوهات والتوازنات الداخلية التي تجعل اتخاذ القرارات الاستراتيجية تحتاج إلى مستويات معقدة. في المقابل، تقدّم روسيا ،في لحظتها الحالية ، فرصة استراتيجية واضحة لا تتكرر.
روسيا: من شريك قوي إلى دولة تعتمد على الصين!
تقدّم الحرب في أوكرانيا نموذجاً صارخاً لانتقال روسيا من موقع القوة العسكرية التقليدية إلى موقع الدولة التي تعتمد بنيوياً على الخارج. فالعقوبات الغربية لاسيما الأمريكية ، واستنزاف الحرب، والضغط الاقتصادي جعلت روسيا أكثر هشاشة من أي وقت مضى. وهنا ظهرت الصين بوصفها الشريان الوحيد المتبقي الذي يمدّ الاقتصاد الروسي بالتقنيات والشرائح الإلكترونية وقطع الغيار والطائرات المسيّرة، بل وبمصانع ذخيرة جديدة كالتي بنيت في بيلاروسيا بتمويل وإدارة صينية. وتنسجم هذه الصورة مع ما يلمّح إليه فرانسيس فوكوياما حول مآلات القوى السلطوية حين تدخل حروباً طويلة: إذ تتحول تدريجياً إلى دول تابعة تبحث عن مظلة خارجية تضمن استمرارها. روسيا، رغم ترسانتها النووية، ليست بعيدة عن هذا المسار.
العلاقة غير المتكافئة: الصين تضع قواعد اللعبة!
يتيح استمرار الحرب للصين تعزيز علاقة غير متكافئة مع روسيا، علاقة تجمع بين احتياج موسكو وقدرة بكين. فكلما طال أمد النزاع، ازداد اعتماد روسيا على التمويل والتكنولوجيا والأسواق الصينية، ما يمنح بكين موقعاً حاسماً في توجيه مسار الاقتصاد الروسي. وفي المقابل، تحصل الصين على شريك عسكري قادر على إرباك الغرب دون أن يشكّل تهديداً لها في آسيا. إنها معادلة استراتيجية دقيقة: الصين تريد روسيا قوية بما يكفي ليبقى الغرب منشغلاً، لكنها ضعيفة بما يكفي لئلا تخرج عن دائرة نفوذها. وهنا يبرز الفرق بين “الشراكة الاستراتيجية” و”التبعية المقنّعة”، فالأولى تتطلب توازناً، بينما الثانية تقوم على اختلال مستدام في القوة. تستفيد بكين من الحرب على ثلاثة مستويات رئيسية:
1. إشغال أوروبا وإضعاف قدرتها على التحرك: تستنزف الحرب موارد أوروبا السياسية والعسكرية، ما يجعلها أقل قدرة على دعم الولايات المتحدة في أي مواجهة محتملة مع الصين في آسيا.
2. امتلاك ورقة ضغط عبر موسكو: تستطيع الصين عبر دعمها -أو تقليصه -أن تتحكم في وتيرة التصعيد الروسي، ما يمنحها هامش مناورة واسعاً في علاقاتها مع واشنطن وبروكسل.
3. تحويل روسيا إلى تابع استراتيجي: كلما زاد اعتماد روسيا على الصين، ازداد نفوذ بكين داخل المساحات الاقتصادية والطاقة في سيبيريا والشرق الأقصى، وهي مناطق تُعدّ ذات قيمة استراتيجية للصين على المدى البعيد.
ولا يستبعد بعض المحللين أن تستعيد الصين في سياق زمني أطول، نفوذاً على الأراضي التي خسرتها لصالح روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر، فالصين تحمل ذاكرة تاريخية طويلة ولا تنسى خسائرها الجغرافية(تايوان نموذجا).
أوروبا: بين الوهم والخيبة!
كانت أوروبا تعتقد أن بإمكانها شراء السلام من الصين، لكن بكين لم تُبدِ اهتماماً بالدور الذي أرادته لها أوروبا. فالمصالح الصينية متركزة في آسيا، وفي بناء محور صلب مع موسكو، وليس في المشاركة في هندسة الأمن الأوروبي. أوروبا بالنسبة للصين فرصة ظرفية، بينما تمثل روسيا استثماراً بنيوياً طويل الأمد. لذلك، أغلقت الصين الباب أمام محاولات أوروبا لجرّها إلى موقع الوسيط، مؤكدة عبر أفعالها وليس عبر خطابها، أنها اختارت التحالف الاستراتيجي مع موسكو بصفته حجر أساس في رؤية عالم متعدد الأقطاب.
خاتمة: لحظة تكشف نهاية وهم أوروبي!
تواجه أوروبا اليوم ليس روسيا وحدها، بل محوراً صينياً–روسياً يعيد تشكيل موازين القوة على نطاق عالمي. الولايات المتحدة بدورها تدرك أن أي خلل أمني في أوروبا سيؤثر مباشرة في قدرتها على مواجهة الصين في المحيط الهادئ. في ضوء ذلك، تبدو الصين وكأنها تجاوزت تماماً خيار الوسيط مع أوروبا؛ فهي ببساطة لم تعد بحاجة إلى أوروبا في لحظتها التاريخية الراهنة. بل اختارت مساراً آخر أكثر عمقاً: السيطرة على روسيا اقتصادياً واستراتيجياً، واستثمار هذا النفوذ لصياغة نظام دولي جديد، يقوم على شبكات تبعية طويلة الأمد تبدأ من موسكو وقد تمتد إلى مناطق أخرى من العالم. إننا أمام لحظة تُعيد فيها الصين قراءة موقعها في النظام الدولي، وتكتب فيها بهدوء وثبات فصلاً جديداً من الجغرافيا السياسية قد يمتد تأثيره لعقود قادمة.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار