أقلام حرة

المسطرة الجنائية المغربية تحت المجهر: تحليل أكاديمي يفتح أسرار القانون ويكشف توازن السلطة والحقوق

«قيمة المسطرة الجنائية لا تُقاس بقدرتها على الإدانة، بل بقدرتها على حماية الفرد من تعسف السلطة.»
Luigi Ferrajoli

تقرير تقييم نقدي 

حول كتاب:

«الدليل العملي لقانون المسطرة الجنائية وفق آخر التعديلات المدخلة بالقانون رقم 23-03» (في جزئين)
الدكتور سعيد بوتشكوشت – الدكتور محمد الدكي
دار الآفاق المغربية – الطبعة الأولى 2026

أولًا: مدخل تقويمي عام

يأتي هذا العمل في سياق تشريعي وقضائي دقيق، حيث لم تعد المسطرة الجنائية مجرد بنية إجرائية لتنظيم الدعوى العمومية، بل غدت أحد المفاصل الأساسية في هندسة دولة القانون. وعلاوة على ذلك، فهي تحمل توترًا دائمًا بين منطق الفعالية الزجرية ومتطلبات الشرعية الدستورية وحماية الحقوق الأساسية.

ومن ناحية أخرى، لا يمكن إدراج الكتاب ضمن خانة الشروح التقنية التقليدية، بل ينبغي التعامل معه باعتباره نصًا فقهيًا تطبيقيًا ذا حمولة نظرية كامنة. وبالتالي، يسعى — بوعي أو بدونه — إلى إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة الجنائية والفرد.

ثانيًا: الإشكالية المركزية والأطروحة الضمنية

ينبني العمل على إشكالية مركزية مفادها:

كيف أعاد القانون رقم 23-03 تشكيل توازن السلطة داخل المسطرة الجنائية، وما حدود هذا التوازن بين منطق الردع ومتطلبات المحاكمة العادلة؟

والأطروحة التي يبلورها المؤلفان، وإن لم تُصَغ في قالب نظري صريح، تقوم على أن:

الإجراء الجنائي ليس أداة محايدة، بل قرارًا قانونيًا ذا أثر حقوقي مباشر، ينبغي إخضاعه لمبدأ التناسب والرقابة.

وهي أطروحة تتقاطع بوضوح مع:

  • نموذج Herbert L. Packer (Crime Control / Due Process)،
  • النظرية الضامِنة لـ Luigi Ferrajoli التي تجعل الإجراء قيدًا على السلطة لا امتدادًا لها،
  • تصور Ronald Dworkin الذي يعتبر الحقوق «حدودًا أخلاقية وقانونية» لا يجوز تجاوزها باسم المصلحة العامة،
  • ومقاربة Mireille Delmas-Marty التي ترى في المسطرة الجنائية «دستورًا صامتًا للسلطة الزجرية».

وعلاوة على ذلك، يتيح هذا التموقع النظري للقارئ فهم كيفية تطبيق المبادئ العالمية في السياق المغربي، وبالتالي يوفر قاعدة قوية للمقارنة النقدية.

ثالثًا: المنهجية والبناء العلمي

يعتمد الكتاب منهجية مركّبة تجمع بين:

  1. التحليل النصي الصارم لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية بعد التعديل؛
  2. التحليل الوظيفي لأدوار الفاعلين القضائيين (النيابة العامة، قاضي التحقيق، الشرطة القضائية)؛
  3. التحليل التطبيقي المرتبط بالممارسة القضائية والاجتهاد العملي.

وهذا الاختيار المنهجي ينسجم مع ما تعتمده كبريات كليات القانون، خصوصًا في فرنسا وكندا، حيث لم يعد الفصل قائمًا بين الفقه والممارسة، بل بين فقه معزول وفقه حيّ. وبالتالي، فإن تقسيم العمل إلى جزئين يعكس إدراكًا دقيقًا لمنطق الزمن الإجرائي (Temporal Logic of Criminal Process)، حيث تختلف فلسفة السلطة والضمان:

  • في مرحلة البحث،
  • عن مرحلة التحقيق،
  • وعن لحظة المحاكمة.

وعلاوة على ذلك، يمكن للقارئ تتبع الخطوات الإجرائية بطريقة متسلسلة ومنطقية، مما يسهل فهم العلاقات بين المراحل المختلفة.

رابعًا: تحليل المحتوى والإضافة النوعية

1. البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي

يعالج المؤلفان هذه المرحلة بوصفها أخطر مراحل المسطرة الجنائية، نظرًا لكونها:

  • أقل علنية،
  • وأكثر قابلية للمساس بالحقوق.

ويُحسب للكتاب أنه يعيد التأكيد على أن:

مشروعية البحث لا تُقاس بفعاليته فقط، بل بمدى احترامه للضمانات الإجرائية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التصور ينسجم مع الفقه المقارن، خصوصًا اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا الشرعية الإجرائية. وبالتالي، يعكس الكتاب التوازن بين النظرية والتطبيق بوضوح.

2. مرحلة المحاكمة وتقدير وسائل الإثبات

يقدّم الجزء الثاني معالجة متوازنة لمسألة حرية القاضي الجنائي في تكوين قناعته، على الرغم من ذلك، دون السقوط في إطلاقية السلطة التقديرية.

وتتلاقى هذه المعالجة مع التصور الذي بلوره Jeremy Bentham ثم طوّره الفقه المعاصر، والقائم على:

حرية تقدير الدليل داخل حدود المشروعية والعلنية والمناقشة الحضورية.

وبالتالي، فإن العمل يربط بين النظرية والتطبيق بطريقة واضحة وفعالة.

خامسًا: اللغة القانونية والأسلوب

يتسم الأسلوب بـ:

  • صرامة مفاهيمية،
  • وضوح تركيبي،
  • انضباط اصطلاحي.

وهو أسلوب يوازن بين متطلبات الكتابة الأكاديمية وحاجات الممارس القضائي، وفق المعايير المعتمدة في برامج Legal Writing بجامعات مثل هارفارد وأكسفورد. وعلاوة على ذلك، يجعل الأسلوب النص مقروءًا ليس فقط للمتخصصين، بل للقارئ العام المهتم بالعدالة الجنائية.

سادسًا: الملاحظات النقدية (في أفق التطوير)

في إطار التحكيم العلمي، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

  1. ضعف المقارنة الصريحة
    كان من الممكن تعزيز العمق النظري بإدماج أوضح للاجتهاد:
  • الأوروبي (CEDH)،
  • أو الكندي في مجال التحقيق الجنائي.
  1. تحفّظ نقدي واضح
    يميل المؤلفان إلى الحياد التحليلي، وهو خيار علمي مفهوم، لكنه يحجب أحيانًا إمكانية بلورة موقف فقهي أكثر جرأة من بعض الاختيارات التشريعية.

وبوجه خاص، هذا التحفّظ لا يقلل من القيمة العلمية للعمل، وعلاوة على ذلك، فإنه يفتح المجال للباحثين لمزيد من الدراسات المستقبلية.

سابعًا: التقييم النهائي والمكانة العلمية

وفق معايير النشر الجامعي المحكَّم، يمكن تصنيف هذا العمل باعتباره:

  • مرجعًا فقهيًا تطبيقيًا موثوقًا؛
  • إضافة نوعية للفقه الجنائي الإجرائي المغربي؛
  • مادة صالحة للتدريس الجامعي المتقدم؛
  • قاعدة بحثية لأعمال ماجستير ودكتوراه.

وبالتالي، يعكس هذا التقييم التوازن بين النظرية والتطبيق ويؤكد قيمة الكتاب في السياقات متعددة.

خلاصة نقدية

لا يسعى هذا الكتاب إلى إثارة الجدل، لكنه ينجح في ما هو أعمق:

إعادة تثبيت المسطرة الجنائية كضمانة دستورية، لا كأداة زجرية صرفة.

وهي مساهمة هادئة، لكنها بالغة الأثر في بناء عدالة جنائية أكثر اتزانًا.

ومن موقع التقييم الجامعي الصارم، يمكن القول إن هذا العمل يندرج ضمن المؤلفات التي لا تكتفي بشرح القانون، بل تُسهم فعليًا في تهذيب ممارسته وإعادة توجيه فهمه.
وبخبرتي الطويلة في دراسة القانون الجنائي ومراجعة مؤلفاته، أؤكد أن هذا الكتاب يمثل نموذجًا متقدمًا في الجمع بين الدقة النظرية والبعد التطبيقي.

 

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار