المغرب وإدارة الأزمات المناخية: عندما تتحول التجربة الوطنية إلى مرآة نقدية لأوروبا
المغرب يقود عالمياً: كيف تغلب على عاصفة ليوناردو وأذهل أوروبا بإدارة الأزمات المناخية
“إن فعالية الدول في مواجهة الكوارث الطبيعية لا تُقاس فقط بمواردها، بل بسرعة قرارها وتكامل مؤسساتها.” — تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي حول الجاهزية المناخية 2025.
في سياقٍ دولي متسارع منذ سنة 2023، سجلت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية زيادة في وتيرة الظواهر المناخية القصوى بنسبة تقارب 27٪ مقارنة بعقد 2010–2020. لم يعد التحدي الحقيقي يعتمد على قوة العاصفة فقط. بل يعتمد على جاهزية الدولة. ومن ثمّ على مرونة مؤسساتها. وعلاوة على ذلك على قدرتها في اتخاذ القرار في اللحظة الحاسمة. وبناءً عليه، برزت التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة كنموذجٍ إقليمي ودولي في إدارة المخاطر المناخية. المغرب أظهر فاعلية من زاوية الفعل الميداني والتخطيط الاستباقي، وليس فقط من خلال الخطاب السياسي.
سلسلة الأحداث الجوية العنيفة التي شهدتها الضفة الغربية للمتوسط خلال 2024–2025 أظهرت حقيقة مهمة. المقارنة لم تعد تعتمد على الفوارق الاقتصادية فحسب. بل تعتمد أيضاً على سرعة الاستجابة وفعالية التنسيق بين الأجهزة. وفي هذا الإطار، واجهت عدة دول أوروبية صعوبات لوجستية وبشرية خلال عواصف وفيضانات متتالية. بينما المغرب رسخ صورة دولةٍ تعتمد مقاربة استباقية واضحة. المملكة اعتمدت الإنذار المبكر. وعبأت القوات النظامية. وفعلت خطط الإجلاء قبل وقوع الخطر، وليس بعده. بيانات هيئات الحماية المدنية في المنطقة المتوسطية تشير إلى أن الإجلاء الاستباقي يقلل الخسائر البشرية بنسبة 40٪ إلى 60٪ عندما ينفذ قبل 24 إلى 48 ساعة من الذروة المناخية.
وفي هذا السياق تحديداً، شكّلت عاصفة “ليوناردو” محطة مفصلية في النقاش الأوروبي حول إدارة الأزمات. سلطت التغطيات الإعلامية الأوروبية الضوء على نجاح المغرب في تفعيل آليات الإنذار المبكر والإجلاء الوقائي قبل ذروة الاضطرابات الجوية. واعتبرت افتتاحيات صحفية في إسبانيا والبرتغال ذلك “درساً عملياً في الحوكمة الاستباقية”. كما أثنت التحليلات الإعلامية على قدرة المؤسسات المغربية في التنسيق السريع بين السلطات المحلية والأجهزة النظامية. وأكدت أن الفارق لم يكن في حجم الإمكانات بل في سرعة القرار ووضوح سلسلة القيادة.
الاستباق بدل الارتجال
اللافت في التجربة المغربية لم يكن حجم الموارد فقط. بل كذلك فلسفة الإدارة التي تقوم على مبدأ “الوقاية أقل كلفة من العلاج”. فعلى سبيل المثال، استثمرت المملكة خلال العقد الأخير في أنظمة الرصد الجوي. وطورت البنية التحتية للسدود. وعزّزت شبكات تصريف المياه. إضافةً إلى ذلك حدّثت منظومة الحماية المدنية. كثّفت التدريبات المشتركة بين الجيش والسلطات المحلية. ونتيجةً لذلك، أصبح التدخل عملاً منظماً. لم يعد ردَّ فعل متأخراً. كما أن تقارير مؤسسات دولية متخصصة تشير إلى أن كل دولار يُستثمر في الوقاية يوفر ما بين 4 و7 دولارات من كلفة الخسائر اللاحقة.
صدى أوروبي متباين
وسائل إعلام أوروبية عدة تناولت هذه التجربة بأسلوب يجمع بين الإشادة والتحليل النقدي. فمن جهةٍ أولى، ركزت بعض الافتتاحيات على أن الفارق لا يكمن دائماً في الإمكانات المادية. بل أيضاً في ثقافة اتخاذ القرار وسرعة الحسم الإداري. ومن جهةٍ ثانية، اعتبرت مقالات رأي أن ما حققه المغرب يسلط الضوء على ثغرات بنيوية في إدارة الأزمات داخل الدول الأوروبية. هناك تتداخل الاعتبارات البيروقراطية والسياسية مع متطلبات السرعة والمرونة.
وفي المقابل، شددت منابر أخرى على خصوصيات كل دولة. وبالتالي ينبغي مراعاة اختلاف السياقات الديموغرافية والقانونية. وخلال تغطية عاصفة “ليوناردو”، أشار العديد من الصحف الأوروبية إلى أن التجربة المغربية خفّضت الخسائر المحتملة ورفعت الثقة المجتمعية في القرار العمومي.
التحديات الأوروبية: بين البنية والعقلية
الأزمات المناخية التي ضربت بعض الدول الأوروبية كشفت ثلاث إشكاليات رئيسية واضحة:
- البيروقراطية المعقدة التي تؤخر أحياناً اتخاذ القرار التنفيذي.
- تداخل الصلاحيات بين السلطات المحلية والمركزية.
- الاعتماد المفرط على التوقعات التقنية دون تفعيل خطط الإجلاء المسبق على نطاق واسع.
وبالرغم من ذلك، لا تعني هذه التحديات ضعفاً بنيوياً. بل تعكس صعوبة التكيف السريع مع واقع مناخي جديد. هذا الواقع يتطلب نماذج حوكمة أكثر مرونة وأقل تعقيداً. لا سيما في ظل تسجيل الاتحاد الأوروبي سنة 2025 خسائر مناخية مباشرة قُدّرت بحوالي 38 مليار يورو وفق تقديرات مؤسسات التأمين وإعادة التأمين.
الدرس الأعمق: الحوكمة المناخية كقوة ناعمة
التجربة المغربية لم تقتصر على نجاح عمليات ميدانية. بل بالإضافة إلى ذلك تحولت إلى عنصر من عناصر “القوة الناعمة”. الدول اليوم لا تُقاس فقط بناتجها الداخلي أو قوتها العسكرية. وإنما كذلك بقدرتها على حماية مواطنيها في أوقات الأزمات. وعليه، عندما تنجح دولة في ذلك، تكسب شرعية معنوية تتجاوز حدودها الجغرافية. وقد أكدت دراسات الحوكمة الصادرة عن معاهد أوروبية سنة 2025 هذه الفكرة. ربطت بين الثقة المجتمعية والاستجابة السريعة للطوارئ. كما أظهرت التغطيات الإعلامية لعاصفة “ليوناردو” كيف تحوّلت التجربة المغربية إلى مرجع تحليلي في النقاشات التلفزية والبرلمانية داخل بعض الدول الأوروبية.
بين الإشادة والواقعية
ورغم الإشادة الواسعة، يبقى التقييم الموضوعي ضرورياً. فمن ناحيةٍ، إدارة الأزمات المناخية عملية تراكمية. تتطلب تحديثاً دائماً للخطط والوسائل. ومن ناحيةٍ أخرى، لا تعني النجاحات السابقة حصانة مطلقة أمام مخاطر المستقبل. ومع ذلك، التجربة المغربية تقدم مثالاً واضحاً: الاستثمار في الوقاية، وتكامل المؤسسات، وثقافة القرار السريع، يحول التحدي المناخي من تهديدٍ وجودي إلى فرصة لبناء نموذج حوكمة يُحتذى به.
في النهاية، لم يعد السؤال المطروح دولياً منذ 2025 هو من يمتلك الموارد الأكبر. بل بالأحرى من يمتلك القدرة على تحويل المعرفة إلى فعل، والخطر إلى خطة، والزمن الضيق إلى مساحةٍ للإنقاذ. وهنا تحديداً، برز المغرب كحالةٍ تستحق الدراسة. لا بوصفها استثناءً، بل باعتبارها مؤشراً على أن إدارة المناخ أصبحت معياراً جديداً لقياس نضج الدول في القرن الحادي والعشرين.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار