الممرات البحرية: خرائط التجارة في زمن التفكك العالمي!
نعيش في عصر انهيار المعنى. فمع تآكل العولمة، وتشقق التحالفات العسكرية التي حافظت على الاستقرار لعقود، تتحول طرق التجارة العالمية من شرايين للرخاء إلى ساحات محتملة للصراع ونقاط خنق استراتيجية. في تقديري، السؤال اليوم ليس هل سيتعطل الشحن العالمي؟، بل من من هذه الممرات سيسقط أولاً؟” وكيف ستكون كلفة ذلك على النظام العالمي الحالي الهش بالفعل. نحن ندخل العقد الذي تلتقي فيه كل عوامل الضغط الديموغرافية والجيوسياسية والاقتصادية ، في لحظة تاريخية حرجة، حيث كما يقال كل شيء يسير في الاتجاه الخاطئ في نفس الوقت.
في هذا المشهد القاتم، يمكن ترتيب الممرات البحرية الحيوية حسب درجة هشاشتها، من الأكثر صموداً إلى الأكثر تعرضاً للخطر.
لو أمعنا النظر في خارطة المخاطر، سنجد تبايناً غريباً في صمود هذه الممرات. ففي جنوب شرق آسيا، عبر إندونيسيا، ماليزيا، سنغافورة، الى مضائق ملقا ولومبوك، التي تربط شمال شرق آسيا الصناعي ببقية أوراسيا والعالم حوالي 15 دولة ذات أولويات متنوعة، لا تملك أي منها القوة البحرية المهيمنة لحمايتها ككل، إلا أن منطق المصلحة المشتركة يبدو أقوى من منطق الصراع. دول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ترتبط بمصير اقتصادي واحد. وهو ما اقر به العديد من الخبراء بالنظر إلى ان هذه الدول لا تريد الحرب، بل تريد سلاسل التوريد. إنها تعلم أنها أجزاء متكاملة في آلة صناعية كبرى، ودمار الجار هو تدمير للذات.
المخاطر تأتي من الخارج: من منافسة صينية-يابانية، أو تدخل أمني أمريكي-أسترالي، أو صعود الهند. لكن حتى القوى الخارجية تدرك حاجتها لهذا الشريان. حتى الصين، التي يراقب الجميع صعودها بحذر، تظل “رهينة” لهذه الممرات؛ فكما يرى المؤرخ آرون فريدبرغ، اقتصاد الصين هو قلب قوتها، وهذا القلب لا ينبض إلا عبر البحر. لذا، أرى أن هذا الممر هو الأكثر صموداً، ليس حباً في السلام، بل خوفاً من الفقر. الخطر هنا ليس الإغلاق الكلي، بل التسييس والتأمين البطيء للممر، مما يرفع كلفة التجارة العالمية.
في المقابل، يبدو المشهد في الخليج العربي مغرقاً في القتامة، لدرجة تجعله “القنبلة الموقوتة” الحقيقية. نحن لا نتحدث فقط عن مضيق هرمز، بل عن منطقة تعج بكل أشكال التوتر الجيوسياسي. هنا تتفاقم كل عناصر الانهيار، فالدول المطلة على الممر – بدءاً من إيران إلى المملكة العربية السعودية والإمارات – تمتلك قدرات صاروخية وجوية ومسيرة هائلة يمكنها إغلاق المضيق دون حاجة إلى أسطول بحري تقليدي ضخم. المشكلة لا تتوقف عند هرمز؛ فبعد تجاوزه، تدخل السفن في منطقة نفوذ القوتين النوويتين المتربصتين، الهند وباكستان.
في عالم تتراجع فيه العولمة وتتصاعد النزعات القومية، قد يرى أحد الطرفين – أو حتى جهة فاعلة غير حكومية – في تعطيل إمدادات الطاقة للخصم مكسباً استراتيجياً سريعاً.
وكما حذر روبن ميلز، فإن أي اهتزاز هنا سيعني حرفياً “تجويع” الصناعة في آسيا وزلزلة الأسواق المالية. تخيلوا بقاء اكثر من 20 مليون برميل نفط يومياً عالقة، مما يعني ذعراً في الأسواق، وانهياراً اقتصادياً في الدول المستوردة (خاصة اليابان وكوريا وتايوان والصين)، وربما تدخلاً عسكرياً فوضويًا من عدة أطراف. إنه السيناريو الأكثر قتامة والأكثر واقعية في الوقت ذاته.
أما بحر البلطيق، فقد تحول من بحر للتجارة إلى رهينة في “قبو” الحرب الأوكرانية، وهو الذي يربط دول شمال أوروبا ويستخدمه الروس لتصدير النفط متجاوزين العقوبات.
وهو رهينة لتطور الحرب في أوكرانيا والمستقبل السياسي لأوروبا. لطالما كان بحر البلطيق بحراً تجارياً وجبهة صراع في آن واحد. اليوم، خط الصدع واضح: من جهة، دول الناتو المطلة عليه، ومن جهة أخرى، روسيا المعزولة. الاستخدام الروسي الحالي للممر لتجاوز العقوبات هو هدنة هشة. ممكن ان تنتهي في اي لحظة. نحن أمام خيارين كلاهما مر: إما تصعيد غربي عبر الانتقال من مراقبة شحنات النفط الروسية إلى احتجازها أو تعطيلها، في خطوة أكثر عدوانية لخنق اقتصاد الحرب الروسي. أو رد فعل روسي مضاد إذا شعرت موسكو بالخناق، قد تلجأ انذاك إلى تلغيم جزء من البحر لتعطيل الشحن التجاري لدول الناتو، مستخدمة الألغام أو التهديدات غير المتماثلة.
وكما يشير كايل ميزاكي، فإن هدوء البلطيق اليوم ليس إلا انعكاساً لجبهات القتال في دونباس؛ فأي انهيار أو انتصار هناك سيعيد رسم خارطة هذا البحر بالحديد والنار.
انتصار روسي يعني استمرار الوضع الهش. اما الانهيار الروسي باي صيغة ما قد يفتح الباب في نظري لإعادة استقرار المنطقة. ولكن في الفترة الانتقالية، فإن خطر المواجهة العرضية أو التصعيد المتعمد مرتفع للغاية.
ختاماً، اعتقد انه و بينما تبدو طرق جنوب شرق آسيا متماسكة بفعل منطق الاعتماد المتبادل، فإن ممر الخليج العربي (هرمز) هو العقدة الأكثر هشاشة والأكثر احتمالاً للانفجار المفاجئ والكارثي على الاقتصاد العالمي. البحر الأحمر يواجه مخاطر القرصنة والاضطرابات الإقليمية، وبحر البلطيق يمثل قنبلة موقوتة مرتبطة بتوقيت ساعة أوكرانيا.
يبدو أننا نعود إلى نبوءة بول كينيدي القديمة: “قوة الإمبراطوريات تُقاس بحمايتها لطرق تجارتها”. ومع تراجع الدور الأمريكي في عهد ترامب كشرطي لهذه البحار، نجد أنفسنا في فراغ مخيف، دون ظهور شرطي بديل قادر على فرض النظام. نحن لا نرسم اليوم طرقاً تجارية جديدة، بل نرسم خرائط لفوضى “ما بعد العولمة”، حيث تصبح الممرات المائية هي الساحة الأولى لحروب القرن الجديد.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار