تخلّطات ولا بغات تصفّى: حين يختصر بيتٌ شعريٌّ المشهد السياسي المغربي!
حكمة من القرن السادس عشر… تفضح ارتباك القرن الحادي والعشرين!
يمكن قراءة المشهد السياسي المغربي من زاويةٍ رمزية تستحضر حكمة الشاعر الصوفي عبد الرحمان المجذوب حين قال:
تخلّطات ولا بغات تصفى
ولعب خزها فوق ماها
رْياس على غير مرتبة
هما سبب خلاها
هذه الأبيات، على بساطتها الظاهرية، تحمل حمولة دلالية عميقة تصلح كمرآةٍ تفسيرية لواقع سياسي معقّد، يتداخل فيه البنيوي بالظرفي، والمؤسساتي بالرمزي.
أولاً: “تخلّطات ولا بغات تصفّى” — ضبابية الرؤية السياسية
البيت الأول يختزل حالة التداخل بين الخطاب والممارسة. ففي المشهد السياسي المغربي، كما في كثير من الأنظمة السياسية النامية، تظهر فجوة بين الوعود الانتخابية والنتائج الملموسة. هذه “الخلطة” ليست بالضرورة فوضى مطلقة، بل هي مزيج من تعدد الفاعلين، وتراكم الإصلاحات الجزئية، وتضارب المصالح الحزبية.
النتيجة: شعور عام لدى جزء من الرأي العام بأن الصورة غير مكتملة، وأن الإصلاح يسير بخطى غير متوازنة.
ثانياً: “ولعب خزها فوق ماها” — صراع النفوذ لا صراع البرامج
يشير هذا المقطع إلى انتقال المنافسة من مستوى الرؤى والسياسات العمومية إلى مستوى التكتيك والمناورة. في الواقع المغربي، كثيراً ما تتحول المعارك السياسية إلى سجالات إعلامية أو تحالفات ظرفية، حيث يصبح الحفاظ على الموقع أهم من بلورة مشروع مجتمعي متكامل.
هذا النمط لا يعني غياب البرامج كلياً، لكنه يكشف أن منطق التموقع الحزبي قد يطغى أحياناً على منطق الإصلاح الهيكلي.
ثالثاً: “رياس على غير مرتبة” — أزمة الكفاءة والشرعية المعنوية
لا يقصد المجذوب هنا الأشخاص بقدر ما يقصد الظاهرة: حين تتقدم الاعتبارات الحزبية أو الشبكية على معايير الكفاءة.
في التحليل السياسي الحديث، يُعرف هذا بإشكالية “الشرعية المزدوجة”:
- شرعية انتخابية قائمة على الصناديق.
- شرعية أدائية قائمة على النتائج.
وعندما تضعف الثانية، تتآكل الثقة حتى وإن بقيت الأولى قائمة شكلياً.
رابعاً: “هما سبب خلاها” — المسؤولية الجماعية لا الفردية
أهم ما في المقولة أنها لا تُحمّل المسؤولية لفرد بعينه، بل لنسقٍ كامل. وهنا تتقاطع الحكمة الشعبية مع علم السياسة المعاصر الذي يرى أن الأزمات السياسية غالباً ما تكون نتاج تفاعل بين:
- النخب الحزبية
- الإدارة العمومية
- الثقافة السياسية للمجتمع
- وطبيعة المشاركة المدنية
بمعنى آخر، الاختلال ليس حدثاً طارئاً بل نتيجة تراكمات.
قراءة تركيبية للمشهد
المشهد السياسي المغربي اليوم يمكن توصيفه بثلاث سمات رئيسية:
- تعددية حزبية حقيقية شكلاً لكنها تعاني أحياناً من تداخل البرامج.
- حيوية مؤسساتية يقابلها بطء نسبي في تلبية الانتظارات الاجتماعية.
- وعي شعبي متنامٍ يطالب بالشفافية والمحاسبة أكثر من الخطاب الإيديولوجي.
مقولة المجذوب لا تُدين الواقع بقدر ما تصفه بلغةٍ رمزية، وكأنها تقول إن التعقيد ليس قدراً نهائياً، بل مرحلة انتقالية يمكن أن تؤول إلى “التصفية” متى توفرت ثلاثة شروط: وضوح الرؤية، ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجديد النخب على أساس الكفاءة لا الاصطفاف.
وهكذا تتحول الحكمة الشعبية من مجرد بيت شعر إلى أداة تحليل سياسي مكثفة تختصر قروناً من التجربة الاجتماعية في أربع جمل قصيرة، لكنها شديدة الكثافة والدلالة.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار