حساب بوريطة الوهمي يكشف عملاء الجزائر بالمؤسسات الإعلامية الفرنسية
ظلت قناة “فرانس 24″، لسنوات طويلة، تتصدر مشهد التعليق على تحركات ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، محللة ومفسرة مسارات الدبلوماسية المغربية بثقة لافتة، إلا أن المفارقة التي ظهرت أخيرا أن جزءا من هذا “التحليل” كان يستند إلى حساب وهمي على منصة “إكس”، يدار من الجزائر، ويقدم على أنه صوت رسمي للوزير، في مشهد يختلط فيه سوء التقدير المهني بخفة التحقق.
ووجدت القناة نفسها مضطرة إلى تقديم اعتذار رسمي بعد بثها، ضمن برنامج “وجها لوجه”، محتوى يدعي أن المغرب دفع مليار دولار للانضمام إلى “مجلس السلام”. وجاء الاعتذار مقتضبا: “نعتذر عن هذا الخطأ”، إلا أن الاعتذار، على أهميته، لم يبدد علامات الاستفهام. فكيف لمنبر دولي يفترض أنه يمتلك أدوات التحقق والتدقيق أن يعتمد على تغريدة صادرة عن حساب غير موثق، في موضوع دبلوماسي بالغ الحساسية؟
لم تشر القناة إلى الخلفية الحقيقية للحساب المزيف، ولا إلى أنه صادر من الجزائر، رغم أن التدقيق في مصدره يكشف ذلك بوضوح، كما لم توضح للرأي العام كيف جرى اعتماد “المصدر” دون تحقق كاف، في وقت يشهد فيه الإقليم تحولات سياسية عميقة، سواء في ما يتعلق بملف الصحراء المغربية أو بإعادة تشكيل التحالفات الدولية.
لا يمكن اختزال “سقطة القناة” في مجرد هفوة تقنية، لأن انتحال صفة وزير خارجية دولة يتجاوز الخطأ العابر إلى تضليل يمس النقاش العمومي ويؤثر في صورة دولة على الساحة الدولية، والأكثر إثارة أن القناة، التابعة للقطاع السمعي البصري العمومي الفرنسي، تعلم أن ناصر بوريطة لا يتوفر أصلا على حساب رسمي في “إكس”، وأن القنوات المعتمدة لوزارة الخارجية المغربية معروفة ومعلنة، إلا أنه، تم التعامل مع الحساب الوهمي كما لو كان مرجعا موثوقا، بل تزداد الصورة تعقيدا حين تحرص القناة على مواصلة استضافة محللين يروجون روايات مغلوطة ويتقنون فن “خالف تعرف”، ما يطرح تساؤلات حول معايير الانتقاء التحريري وحدود المسؤولية المهنية.
ورغم اعتبار اعتذار “فرانس 24” خطوة مطلوبة، لكنه لا يكفي لإصلاح الضرر الذي خلفه تداول خبر مضلل على نطاق واسع قبل تصحيحه، ففي زمن المنصات الرقمية، تنتشر المعلومة بسرعة هائلة، بينما يأتي التصويب متأخرا ولا يحظى غالبا بالانتشار نفسه.
وبين حساب وهمي يدار من خارج الحدود واستوديو بث دولي يفترض فيه التدقيق الصارم، تتشكل حلقة خطيرة: جهة تنتج محتوى مضللا، ومنصة إعلامية تمنحه شرعية العرض، وجمهور يتلقى “الخبر” باعتباره حقيقة مكتملة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار