الرأي والتحليل

خطاب 9 أكتوبر: من طموح الدولة إلى امتحان النتائج

ملخص: رسم الخطاب الملكي في افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة خريطة أولويات تمتد من الأمن الاقتصادي والشباب إلى التنمية الترابية والهجرة. وتكمن قوته في الجمع بين تثبيت مسار استراتيجي قائم والجرأة في تسمية الاختلالات التي تؤخر تنزيله. وبحكم وظيفته الدستورية التوجيهية، يرسم الخطاب الإطار الاستراتيجي، ويُسند إلى الحكومة والبرلمان والجهات تحديد الآجال والأهداف الرقمية، كلٌّ في حدود اختصاصه ومساءلته.

خطاب يرسم الاتجاه ويؤطر المرحلة

يندرج خطاب 9 أكتوبر ضمن ما يقرره الفصل 65 من الدستور، الذي يجعل افتتاح الدورة الأولى للبرلمان برئاسة الملك، وضمن الفصل 52 الذي يخوّل الملك مخاطبة البرلمان. وهو يصدر عن موقع يحدده الفصل 42: رئيس الدولة وضامن دوامها واستمرارها والحَكَم الأسمى بين مؤسساتها. ومن هذا الموقع تُفهم طبيعته: خطاب توجيه استراتيجي يعلو على الزمن الحكومي، لا عرضاً تقنياً لبرنامج تنفيذي.

وتزداد دلالته لأنه أول خطاب في ولاية تشريعية جديدة؛ فهو يسبق المحطات التي يُفترض أن تحمل الأرقام والآجال: البرنامج الحكومي الذي يُعرض على البرلمان وفق الفصل 88، ثم قانون المالية. وعليه، فمعيار قراءته ليس عدد الأرقام الواردة فيه، بل وضوح الوجهة التي يرسمها، ودقة توزيعه للمسؤوليات بين من يُنتظر منهم التنفيذ.

هندسة الخطاب: قراءة بلاغية

يكشف ترتيب المحاور عن بناء حجاجي متدرج. يبدأ الخطاب بالقيمة (الاعتزاز بالوطن)، ثم ينتقل إلى الوسيلة (التحول الاقتصادي)، فالغاية الاجتماعية (الشباب)، فمجال التحقق (الجهات والميدان)، ثم يتسع إلى الخارج (الهجرة والشراكة مع إسبانيا)، ليعود في الخاتمة إلى المخاطَب المباشر: البرلمانيون. إنها حركة دائرية تنطلق من الوجدان الوطني وتنتهي عند المسؤولية الفردية للمنتخَب. وهذه قراءة تحليلية للبنية، لا بناء يعلنه النص صراحة.

وتتكرر في الخطاب ثلاث أدوات بلاغية تخدم هذا البناء:

  • الاستدعاء الذاتي: العودة إلى عبارة من خطاب سنة 2014 تؤسس للاستمرارية، وتقدّم الحاضر امتداداً لمسار لا قطيعة معه.
  • النفي التصحيحي: حين يقرر النص أن الاعتزاز «ليس من أجل التباهي»، فهو يستبق القراءة الاحتفالية ويستبدل بها قراءة تكليفية. ينفي معنى ليثبت معنى أرفع.
  • الانتقال من الوصف إلى الإلزام: في كل محور، يتحول القول من تشخيص الوضع إلى تحديد المطلوب ومن يتحمله: القطاع الخاص في الاقتصاد، والإدارة المركزية في الجهوية، والشركاء في الهجرة، والمنتخبون في الخاتمة.

بهذا يصير الأسلوب نفسه حاملاً للرسالة السياسية: لغة هادئة في النبرة، حازمة في توزيع الواجبات.

الاعتزاز بالوطن: من الشعور إلى المسؤولية

يستحضر الخطاب عبارة وردت في كلمة ملكية سنة 2014: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي»، ثم يعيد وصلها بالحاضر. والأهم في هذا الاستدعاء ما يضيفه الخطاب إليه: فالاعتزاز، كما يرد في النص، «ليس من أجل التباهي»؛ إنه حافز لتحويل الانتماء إلى مسؤولية والثقة إلى واجب وطني.

بهذا الانتقال يربط الخطاب الاستمرارية الرمزية بتكليف عملي. فالوطنية لا تُعرض احتفاءً بالمنجز فحسب، بل دعوةً إلى المشاركة في استكماله. وقيمة هذه الصياغة أنها ترفع سقف الانتظار من المؤسسات: مقياس الاعتزاز هو ما يلمسه المواطن من تحسن في حياته اليومية.

رؤية اقتصادية شاملة ورهان على التنفيذ

يضع الخطاب المغرب أمام تحولات جيو-اقتصادية متسارعة، ويدعو إلى جيل جديد من الاستراتيجيات في الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي. ويطالب القطاع الخاص بأن يكون أكثر مبادرة وابتكاراً وقدرة على الاستثمار والتصدير وخلق فرص الشغل.

تماسك هذه الأولويات ظاهر: أمن الموارد، والقدرة الإنتاجية، والتكنولوجيا، والشغل ليست ملفات متجاورة، بل حلقات في سؤال واحد هو قدرة الاقتصاد على الصمود وخلق القيمة. والجمع بينها في خطاب واحد يعكس تصوراً للسيادة الاقتصادية بمعناها الواسع، لا مقاربة قطاعية مجزأة.

وشمولية الرؤية تضع الحكومة أمام واجب محدد: ترتيب الأولويات، وتعيين الموارد والآجال والجهة المسؤولة عن كل استراتيجية، في البرنامج الحكومي وقوانين المالية. والرهان معقود على قدرة الجهاز التنفيذي على ترجمة هذه التوجيهات إلى نمو مُحدِث لفرص الشغل وأعدل في توزيع ثماره.

الشباب: أولوية ملكية ومعيار للسياسات

يدعو الخطاب إلى وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، ويربطها بتكافؤ الفرص والتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي والثقة في المؤسسات. وهذه الصياغة تتجاوز التشغيل وحده؛ فهي تصل بين الفرصة الاقتصادية والارتقاء الاجتماعي والشعور بأن المؤسسات تستجيب.

وتبيّن معطيات المندوبية السامية للتخطيط وجاهة هذه الأولوية: بلغ معدل البطالة في الفئة العمرية 15-24 سنة 37.2% سنة 2025. ويُقرأ هذا الرقم بدقته: هو معدل بطالة، ولا يساوي نسبة الشباب خارج الدراسة والعمل والتكوين، فلكل مؤشر تعريفه وطريقة احتسابه.

والوفاء لهذه الأولوية يقتضي من القطاعات المعنية متابعة معلنة لمعدل التشغيل، وجودة الوظائف واستقرارها، ومشاركة النساء والشباب في سوق الشغل، والفوارق بين الجهات، ومآلات خريجي التكوين. ونشر هذه المؤشرات بانتظام هو ما يتيح قياس وفاء السياسات العمومية للتوجيه الملكي.

الجهوية: من نقل الاختصاصات إلى قدرة القرار

يربط الخطاب التنمية المندمجة وتحسين الخدمات وتحفيز الاستثمار بالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. ولا يكتفي بالدعوة إلى التسريع، بل يسمّي التأخر والاختلالات التي تعرقل التنزيل، ويشدد على نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات والأقاليم، وعلى توضيح الاختصاصات وتقوية موارد مؤسسات الجهة.

هذه أقوى فقرات الخطاب تشخيصاً؛ لأنها تسمّي عوائق مؤسساتية محددة، وتخاطب ضمناً الإدارة المركزية التي يتوقف عليها النقل الفعلي. وهي تمتد في خط ثابت: فخطاب العرش لسنة 2025 أكد أنه لا مكان لمغرب يسير بسرعتين، وخطاب افتتاح البرلمان في أكتوبر من السنة نفسها جعل العدالة المجالية في صدارة الأولويات. والجديد هنا هو الانتقال من المبدأ إلى شروطه العملية: اختصاصات واضحة، وموارد كافية، وقدرة فعلية على القرار. فنقل المهام من دون نقل الإمكانات يغيّر موضع المسؤولية ولا يغيّر قدرة الجهة على الفعل.

ولذلك يُقاس التقدم بمؤشرات من قبيل: الصلاحيات المنقولة فعلياً، والموارد المحوّلة، وآجال اتخاذ القرار، ونسب إنجاز المشاريع، وتقارب الجهات في الولوج إلى الخدمات. وهي مؤشرات مقترحة للمتابعة، لا أهداف أعلنها الخطاب.

الهجرة وإسبانيا: موقف سيادي وعرض تفاوضي

ينتقل الخطاب إلى الشراكة الدولية، مؤكداً أن المغرب رسّخ مكانته شريكاً مسؤولاً وموثوقاً، وأن التعاون في مجال الهجرة يحتاج إلى مراجعة. ويعبّر عن موقف واضح من بعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية الإسبانية المتصلة بترحيل القاصرين وبملف اللجوء، ويعلن أن الشراكة لا تقبل الضغط أو التهديد أو الابتزاز، مع الإعلان عن وثيقة استراتيجية جديدة يقدمها المغرب لشركائه.

تجمع هذه الفقرة بين الحزم والعرض. فهي تثبّت مبدأ الندية في التعاون، وتربط استمرار الشراكة بمراجعة نموذج تدبير الهجرة؛ وفي الوقت نفسه تفتح، عبر الوثيقة المعلنة، مساراً عملياً ينقل النقاش من تبادل المواقف إلى بدائل ومقترحات. إنه منطق دولة تقترح ولا تكتفي بالاعتراض.

أما التفصيل القانوني للموقف المغربي فمجاله نصوص القانون الإسباني والاتفاقيات الثنائية والدولية والاجتهاد القضائي ذو الصلة، وهو ورش ينتظر الدبلوماسية والخبرة القانونية المغربية. وسيتوقف أثر الوثيقة المرتقبة على ما تتضمنه من التزامات متبادلة وآليات تعاون وضمانات قابلة للتنفيذ.

وقد جعلت الصحافة الإسبانية من هذا المحور عنوانها الرئيسي. فصحيفة «أرتيكولو 14» كتبت يوم 9 أكتوبر 2026 أن الملك يرفض توظيف أزمة سبتة ولا يقبل الابتزاز، وأنه أعلن عن استراتيجية جديدة يقترحها المغرب على شركائه. وأبرزت الإذاعة والتلفزة الكنارية في اليوم نفسه أنه أول حديث ملكي علني عن أحداث الصيف، وأن الخطاب أقرّ بما حققته الشراكة مع إسبانيا من تقدم. وهذا التلقي يؤكد أن رسالة الندية وصلت إلى المخاطَب المقصود بها.

البرلمان والحكومة: مسؤوليات موزعة بوضوح

يذكّر الخطاب البرلمانيين بأن الانتداب التزام سياسي وتعاقد أخلاقي مع المواطنين. واختيار معجم العهد والتعاقد في الخاتمة، أمام مجلس حديث الانتخاب، يحمّل الولاية الجديدة منذ يومها الأول معيار الحكم عليها.

ويتخذ هذا التذكير معناه العملي في ضوء الدستور: فالفصل 70 يُسند إلى البرلمان التصويت على القوانين ومراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية، والفصل 89 يُسند إلى الحكومة ممارسة السلطة التنفيذية. الحكومة مسؤولة عن تحويل التوجيهات إلى برامج وتمويل وتدبير؛ والبرلمان عن التشريع والمراقبة والتقييم؛ والإدارة والجهات عن التنفيذ ضمن اختصاصاتها. ويسهم الإعلام ومؤسسات الرقابة والمواطنون في المساءلة عبر المعطيات العلنية.

فنجاح التوجيهات الملكية رهين بسلسلة واضحة تصل بين الهدف والجهة المكلفة والموارد والآجال والنتيجة المنشورة.

من التوجيه إلى لوحة متابعة

حتى تنتقل القراءة من الانطباع إلى القياس، نقترح خمسة مؤشرات سنوية معلنة:

المحور المؤشر المقترح الجهة المعنية
الشباب تطور التشغيل، مع التمييز بين البطالة ومؤشر الشباب خارج الدراسة والعمل والتكوين الحكومة، المندوبية السامية للتخطيط
الشغل عدد فرص الشغل وجودتها وتوزيعها بين الجهات والوسطين القروي والحضري الحكومة، القطاع الخاص
الجهوية الصلاحيات والموارد البشرية والمالية المنقولة فعلياً، وأثرها في الخدمات والمشاريع الإدارة المركزية، مجالس الجهات
الاستراتيجيات القطاعية نسب الإنجاز في الماء والطاقة والغذاء والتصنيع والرقمنة، وفق أهداف وآجال معلنة القطاعات الوزارية المعنية
الهجرة مضمون الوثيقة الاستراتيجية، والالتزامات المتبادلة، وآليات قياس تنفيذها الدبلوماسية المغربية والشركاء

هذه المقترحات لا تنسب إلى الخطاب أرقاماً لم يعلنها؛ وظيفتها تقديم معيار عام لتقييم ترجمة أولوياته إلى سياسات ونتائج بمرور الوقت.

وضوح في الوجهة ومسؤولية في التنفيذ

يقدم خطاب 9 أكتوبر رؤية متكاملة: طموح اقتصادي موصول بالعدالة المجالية، وشباب في صلب السياسات، وتشخيص صريح لما يؤخر الجهوية واللاتمركز، وموقف سيادي مقرون بعرض تفاوضي في ملف الهجرة، وتذكير للمنتخبين بعهدهم مع المواطنين.

قوته في ثلاثة: وضوح ترتيب الأولويات، وتسمية العوائق بأسمائها، وتحديد من يتحمل كل واجب. وما يتركه، انسجاماً مع وظيفته الدستورية، للمؤسسات المعنية هو تحديد الأهداف الرقمية والآجال التفصيلية.

والكرة الآن في ملعب هذه المؤسسات: برنامج حكومي معلن الأهداف، ومسؤوليات موزعة، وموارد معروفة، وتقارير دورية قابلة للفحص. عندئذ ينتقل الطموح من لغة الدولة إلى أثر يلمسه المواطن، ويصير الانتداب البرلماني، الذي وصفه الخطاب بالتعاقد الأخلاقي، قابلاً للمساءلة على أساس النتائج.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار