أقلام حرة

زلزال الكاريبي: كيف ابتلعت واشنطن فنزويلا في “عشاء عمل” جيوسياسي؟

يبدو أن العالم الذي عرفناه، القائم على “النظام الدولي” والمواثيق الأممية، قد انتهى فعلياً. نحن الآن بصدد الانتقال من “حرب تجارية” باردة بين واشنطن وبكين إلى مرحلة “الفرض العسكري” لواقع اقتصادي جديد. فبينما كانت الصين تظن أنها تسيطر على العالم عبر سلاسل الإمداد والاستثمارات، قررت الولايات المتحدة في عهد ترامب قلب الطاولة عبر رسالة واضحة: “سنخرب علاقاتكم التجارية بقوة السلاح”.

فنزويلا: السقوط المهين وسحر “العصا” الأمريكية!

ما حدث في فنزويلا مؤخراً ليس مجرد تغيير نظام، بل هو “صفعة” جيوسياسية مدوية. سقوط نظام مادورو واعتقاله ونقله إلى أمريكا بطريقة مهينة لم يستغرق سوى ساعات، دون مقاومة تُذكر أو دفاع جوي، مما يكشف حجم التغلغل الاستخباراتي (CIA) داخل مفاصل الدولة الفنزويلية التي كانت تدعي السيادة. الآن، تبرز ديلسي رودريغز كواجهة للمرحلة الانتقالية، وهي في موقف لا تحسد عليه؛ فهي محاصرة بين ولاءات “الخونة” في الداخل، وبين شروط واشنطن القاسية. والمفارقة هنا أن الإدارة الأمريكية، وبمباركة من “وول ستريت”، اختارت التعامل مع “بقايا” النظام الحالي (رودريغز) بدلاً من الوجوه الثورية الأخرى، لضمان انتقال سلس لإمدادات النفط دون تعقيدات قانونية دولية. جوهر الصراع اليوم يدور حول 30 إلى 50 مليون برميل نفط فنزويلي “ممنوع من التصدير”. ترامب لا يريد فقط السيطرة على هذا النفط، بل يريد توجيهه مباشرة إلى المصافي الأمريكية بأسعار يتحكم هو بها، واستخدام العوائد (التي تقدر بمليارات الدولارات) كـ “صك غفران” للنظام الجديد بشرط واحد: شراء المنتجات الزراعية الأمريكية (الصويا والرز) لدعم المزارع الأمريكي الذي تضرر من المقاطعة الصينية. هذه “المقايضة” تضرب عصفورين بحجر واحد:  تجريد الصين وروسيا وطرد أي نفوذ شرقي من فنزويلا تحت طائلة التهديد العسكري. وثانيًا خنق المنافسين القريبين: كندا، التي تعتمد بنسبة 90% من أرباح نفطها على السوق الأمريكي، ستجد نفسها في مأزق بعد أن يحل النفط الفنزويلي “الأرخص” محل نفط “ألبرتا” الكندي.

الهيمنة القارية: من باناما إلى جرينلاند!

فنزويلا هي مجرد “البداية”. الخطة الأمريكية الجديدة تقوم على تأمين “نصف الكرة الغربي” بالكامل. الرسالة وصلت إلى كولومبيا، والبرازيل، والبيرو (حيث الاستثمارات الصينية الضخمة في الموانئ): “إما فك الارتباط ببكين، أو تغيير النظام”. حتى جرينلاند لم تسلم؛ فترامب يعرض شراء “الولاء” لكل مواطن هناك لمواجهة المصالح الروسية والصينية في القطب الشمالي، بينما تقف أوروبا وكندا في حالة ذهول وتفرج أمام هذا التنمر الجيوسياسي الذي لا يعترف بقانون دولي.

السؤال الكبير هو: أين الصين؟ رغم استثماراتها التي تتجاوز 500 مليار دولار في أمريكا اللاتينية، إلا أنها وقفت صامتة أمام اختطاف فنزويلا. هذا الصمت يكشف حقيقة مؤلمة لبكين: أنت عملاق تجاري، لكنك قزم عسكري في “الفناء الخلفي” لأمريكا. الصين الآن في مأزق؛ التدخل العسكري في الغرب انتحار، والرد في تايوان قد يغرق تجارتها العالمية في الفوضى. الخيار الصيني المتاح حالياً هو “الانكفاء شرقاً” ومحاولة تعويض خسائر القارة الأمريكية بتوطيد النفوذ في آسيا وإفريقيا، لكن “طريق الحرير” تلقى طعنة نافذة في خاصرته الفنزويلية. نحن نعيش حقبة “اقتصاد القوة”. الهيمنة القادمة ليست بالابتكار التكنولوجي وحده، بل بالقدرة على تأمين الموارد الجغرافية. الحقيقة التي يجب إدراكها هي أن فنزويلا لم تسقط بسبب نقص الموارد، بل لأنها كانت “ساحة اختبار” لمدى تحمل الصين وروسيا لمواجهة مباشرة مع أمريكا، وفي نظري،قد رسبوا في الاختبار الأول.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار