أقلام حرة

عقيدة “الدولة العاقلة”: لماذا يرفض المغرب مقامرة الانفصال في الجزائر؟

ثمة سؤال يتردد في المجالس السياسية والشعبية المغربية، يحمل في طياته عتباً أو استفساراً مشروعاً: لماذا يمتنع المغرب عن معاملة خصومه بالمثل؟ ولماذا لا يفتح خزائنه ومنابره الدبلوماسية لدعم حركات مثل “الماك” في منطقة القبائل، ما دام الطرف الآخر قد جعل من تقسيم المغرب عقيدة لوجوده؟

الإجابة لا تكمن في ضعف الوسيلة، بل في عمق “الهوية السياسية” للمملكة. فالمغرب ليس دولة تأسست بمرسوم استعماري أو وليدة ظروف طارئة، بل هو إمبراطورية عريقة تستمد شرعيتها من الاستمرارية. وحين تدافع الرباط عن وحدتها الترابية، فهي تنطلق من مبدأ كوني ثابت: “وحدة الأوطان لا تتجزأ”. فمن الناحية الأخلاقية، لا يمكنك أن تطالب العالم باحترام سيادتك بينما تعمل أنت على تقويض سيادة الآخرين. الانزلاق نحو دعم الانفصال هو “فعل صبياني” في عرف الدبلوماسية الملكية الرزينة؛ فالدول العريقة لا تنزل لمستوى المكايدات التي تحرق الأخضر واليابس.

التاريخ القريب يقدم لنا دروساً مخضبة بالدماء لمن حاولوا اللعب بنار الانفصال. رأينا كيف تحولت إثيوبيا وإريتريا إلى ساحات حروب أهلية لا تنتهي حين رعت كل منهما معارضة الأخرى. وشهدنا كيف انتهى القذافي الذي أنفق المليارات لزعزعة استقرار جيرانه وتفكيك دولهم؛ حيث انهارت المنظومة وبقيت المنطقة غارقة في شظايا سياساته من إرهاب وتهريب. إن رعاية الانفصال هي “فيروس” عابر للحدود، ومن يحضن الفيروس ليطلقه على جاره، سينتهي به الأمر مصاباً به لا محالة.

منظور الرباط الاستراتيجي يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد الانتقام. فماذا سيربح المغرب من تقسيم الجزائر؟ الإجابة هي: “لا شيء”. فتقسيم الجار يعني خلق “دويلات فاشلة” وملاذات آمنة للتنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش في منطقة الساحل. المغرب لا يريد “ثقباً أسود” أمنياً على حدوده الشرقية. فالتعامل مع نظام نظامي، مهما بلغ عداؤه، يظل أهون بكثير من التعامل مع ميليشيات متناحرة أو فراغ أمني قد يلتهم المنطقة بأكملها. نحن نؤمن أن مخاطبة “الجنون” (المتمثل في تعنت النظام الحالي) أهون من مخاطبة “الفراغ”.

في نهاية المطاف، يتبنى المغرب ما يمكن تسميته بـ “السيادة الإيجابية”. هو يختار أن يكون قطب الاستقرار في المنطقة، تاركاً للطرف الآخر دبلوماسية “ردود الأفعال” المتهورة. هذا الترفع المغربي هو الذي جعل القوى العظمى، من واشنطن إلى باريس ومدريد، تصطف خلف المقترح المغربي؛ لأنهم يرون في الرباط “الدولة العاقلة” التي تحترم القانون الدولي قولاً وفعلاً.

إن انتصار المغرب في معركته الوطنية لن يكون بتمزيق جيرانه، بل بتجاوزهم عبر التنمية والتحالفات الكبرى. التاريخ يخبرنا أن الأطروحات الانفصالية تموت ببطء حين تفتقر للواقعية التاريخية، بينما تبقى الدول الموحدة القائمة على المؤسسات والشرعية هي من يكتب السطر الأخير.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار