أقلام حرة

قراءة في مخطط التسوية الامريكي الجديد في اوكرانيا

 

أثارت خطةالرئيس الامريكي دونالد ترامب لحل الصراع في أوكرانيا جدلا واسعا ومتزايدا في الأوساط السياسية وحتى الثقافية. فخطة السلام، والتي تفاوضت عليها واشنطن وموسكو من دون أوكرانيا شبهها الكثيرين ومنهم الصحفي الأمريكي كريستيان كارل باتفاقية ميونيخ سنة 1938 التي بموجبها وافقت فيه بريطانيا وفرنسا وايطاليا على مطالب ألمانيا بضم اجزاء من تشيكوسلوفاكيا( اقليم السوديت) بحجة الحفاظ على السلام العالمية. انذاك وقف رئيس وزراء بريطانيا “نيفل تشامبرلين” أمام العالم رافعًا ورقة الاتفاق وهو يعلن بثقة: “لقد جلبت السلام لشعوبنا في زماننا”. بعد أشهر قليلة فقط، سقط هذا الوعد، واتضح أن الوثيقة التي قُدّمت بوصفها ضمانًا للسلام لم تكن سوى بداية النهاية لأوروبا ما قبل الحرب العالمية الثانية حيث ان هذا التنازل شجع هتلر على المزيد من المطالبات من دول الجوار حتى ادى به إلى احتلال كل تشيكوسلوفاكيا في مارس 1939. تُركت تشيكوسلافيا وحيدة باسم “الاسترضاء والسلام ”، فدفع العالم الثمن في حرب مدمرة.

غير أن هذا النوع من المقارنات-مهما بدا جذابًا- ينتمي إلى منطق تاريخي لم يعد يصلح لتفسير عالم اليوم، عالمٍ تغيّرت بنيته، وانهارت فيه مسلمات القوة القديمة، وصعدت فيه الجيوسياسة النيوليبرالية التي تعيد تعريف معنى النفوذ ومستلزمات الأمن.

من السهل جدًا أن نستحضر لحظة ميونخ 1938 كلما ظهر اتفاقٌ غامض أو خطة تُكتب في غرف مغلقة. بل من السهل أن نخرج صورة نيفل تشامبرلين وهو يلوح بالورقة التي قال إنها “جلبت السلام”، ثم نعيد تكرار الحكاية نفسها عن الاسترضاء والنتائج الكارثية اللاحقة.

نعم، وقف تشامبرلين أمام العالم مبتهجًا، ثم تبين أنّ تفاؤله كان ساذجًا ومضللًا. ونعم، تُركت تشيكوسلوفاكيا وحيدة رغم قوتها الصناعية والعسكرية. ونعم، التاريخ سجّل تلك اللحظة بوصفها إحدى أكثر لحظات “سوء تقدير” الغرب إيلامًا.

لكنني وبصراحة أعتقد أن استحضار ذلك المشهد في كل مرة نناقش فيها حربًا معاصرة، أو خطة تسوية، أو حتى مبادرة دبلوماسية، هو اختزال للتاريخ وإسقاطٌ على الحاضر لا يخدم فهمنا للعالم الذي نعيش فيه اليوم. فالخطة المسربة ذات الـ18 نقطة، مهما كانت مثيرة للجدل،

لا يمكن أن تُقرأ بمنطق 1938. ليس لأن الخطة مثالية، بل لأن العالم نفسه تغيّر جذريًا. العالم اليوم لا يكافئ القوة العسكرية، بل يكافئ القدرة على إدارة المخاطر. ان أخطر فكرة في النقاش السياسي اليوم في نظري هي فكرة أن “أي تنازل هو استرضاء”، وأن “أي تفاوض هو ضعف”، وأن “أي تسوية مع قوة معادية هي نسخة ثانية من ميونخ”. هذا منطقٌ ينتمي إلى عالم ثنائي، عالم يشبه “لوحة شطرنج” كما تخيلها مفكرو القرن العشرين. لكن العالم الحقيقي اليوم أشبه بشبكة كهربائية هائلة،حيث أي صدمة صغيرة في زاوية ما قد تشعل حرائق في الاقتصاد العالمي كله. وإذا كان من نقد أوجهه لهؤلاء الذين يقارنون بين خطة ترامب و اتفاق ميونخ ، فهو أنهم يتجاهلون هذه الحقيقة: النظام الدولي لم يعد يتحرك وفقًا لمن ينتصر في الميدان، بل لمن يستطيع منع الانهيارات الاقتصادية العالمية. هذه هي الجيوسياسة الجديدة التي اسميها الجيوسياسية الواقعية.

أتابع منذ سنوات الخطاب الذي يعظّم من شأن روسيا ويقدّمها كقوة صاعدة، وبصراحة لا أرى في ذلك سوى إعادة تدوير لخيال سياسي قديم. روسيا دولة تمتلك حقيقة إرثًا عسكريًا ضخمًا، لكنها أيضًا دولة اقتصادها أصغر من اقتصاد دول أوروبية متوسطة، تعتمد على الطاقة أكثر مما تعتمد على الابتكار، و مُقيّدة بالعقوبات وأنظمة تصدير التكنولوجيا. وفي المقابل، هناك خطاب آخر بالغ السوداوية يصوّر أميركا كقوة تتداعى. وهذا أيضًا، في رأيي بعيد عن الواقع. فالولايات المتحدة ما تزال تتحكم في شرايين التكنولوجيا العالمية، تمتلك عملة الاحتياطي الدولي الأولى ، وتقود أهم تحالفات القرن. وبصراحة، أي تحليل لا ينطلق من هذه الحقائق لن ينتج قراءة جدية لسلوك واشنطن، سواء بقيادة ترامب أو غيره.

لا أتفق مع كثير من أسلوب دونالد ترامب في الإدارة ، بل أجد بعض مقولاته صدامية وغير دقيقة في أفضل الأحوال. لكني، كمراقب للشأن الأمريكي، لا أستطيع تجاهل أن الرجل وبكل أمانة يعكس تحولًا بنيويًا في السياسة الخارجية الأميركية، تحولًا من “قيادة مجانية للعالم” إلى “قيادة مشروطة بتقاسم الكلفة”. هذه ليست نزوة ترامب وحده، أوباما سبقه في ذلك، وبنحو ما، حتى بايدن نفسه سار في الطريق ذاته لكن بأسلوب أكثر نعومة. لذلك، عندما يقول ترامب“لن نستمر في دفع الفاتورة نيابة عن الجميع”،

فهو لا يقول أمرًا غريبًا، بل يعبّر عن مزاج أميركي واسع يريد إعادة تعريف معنى القيادة العالمية.

أجد الكثير من المبالغات في تشبيه أوكرانيا اليوم بتشيكوسلوفاكيا عام 1938، والسبب ببساطة أن الظروف مختلفة جذريًا لان أوكرانيا اليوم ليست وحيدة، لديها دعم أوروبي واسع، محاطة بشبكات دعم مالي وعسكري واستخباراتي هائلة وهذا لم يحدث في 1938. كما ان العقوبات الدولية اليوم التي فرضت على روسيا أصبحت سلاحا فعّالا بشكل لم يكن موجودًا ولا ممكنا في تلك الفترة. ان القوة اليوم في حسابات الصراع الدولي لم تعد تُقاس بالدبابات والصواريخ بل بقوة الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات العابرة للقارات ، وكذلك للقدرة على صناعة الرأي العام العالمي الذي اصبح اليوم لاعبا مؤثرا، على عكس عصر الصمت السياسي قبل الحرب العالمية.

ان التفاوض خاصة في لحظات التعقيد الشديد مثل الظروف الدولية الحالية هو ليس خيانة للمبادئ، بل محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في عالم لا يمنح انتصارات كاملة لأحد. قد لا تعجب هذه الفكرة البعض، وقد تبدو “غير عاطفية” بما يكفي، لكنني أرى أن وقف استنزاف أوكرانيا، إعادة بناء اقتصادها ودعم قدرتها الدفاعية المستقبلية وإدماجها في السوق الأوروبية، هو خيار أفضل ألف مرة من حرب بلا نهاية. فالسلام “الناقص” قد يكون، في بعض الأحيان، أكثر فائدة من الحرب “الكاملة” التي لا يمكن كسبها.

العالم الذي نعيش فيه اليوم أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في استعارة تاريخية واحدة. وأعتقد أن إعادة تدوير نموذج ميونخ كلما ظهرت مبادرة سلام في أي مكان يمنعنا من رؤية التحولات العميقة التي تحدث أمام أعيننا كصعود مايسمى بالجيوسياسة الواقعية ومركزية الأسواق في صنع القرار والتحالفات الجديدة التي تبنى على المصلحة لا الإيديولوجيا

وفي رأيي، خطة ترامب ليست وحيًا منزّلًا ولا كارثة سياسية،

بل هي فصل من فصول هذا التحول العالمي الكبير، حيث تُعاد كتابة قواعد اللعبة بعيدًا عن ذاكرة 1938 وقريبًا من مستقبل تتراجع فيه فكرة “الانتصارات المطلقة” لصالح “الإدارة الذكية للصراعات”. وبهذا أرى أن خطة ترامب ليست استرضاءً جديدًا بل انعكاسٌا لواقعية جيوسياسية جديدة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار