أقلام حرة

كندا تدخل نادي الدفاع الأوروبي: خطوة ذكية تعيد رسم خريطة الأمن العالمي أم مخاطرة محسوبة؟

بدايةً، ومن منظور تحليلي مباشر، نلاحظ بوضوح أن القرار يعكس توجهاً استباقياً لا ردّ فعل متأخر؛ ثم إن القراءة المتأنية للمعطيات الاقتصادية والعسكرية تُظهر ترابطاً واضحاً بين المصالح الصناعية والأمنية. وعلاوة على ذلك، عندما نقارن بين البدائل الإستراتيجية المتاحة، نجد أن خيار الشراكات المتعددة يمنح الدول مرونة أكبر. لذلك، ومن جهة أخرى، يمكن القول إن فهم السياق الدولي يصبح شرطاً أساسياً قبل إصدار أي حكم نهائي، وبالتالي تتشكل رؤية متوازنة تستند إلى الوقائع لا الانطباعات.

لويس فريمان، محلل السياسة الدفاعية في معهد أبحاث الإستراتيجية الدولية، يقول: «انضمام كندا إلى برنامج SAFE ليس مجرد انتهاج لعلاقات اقتصادية جديدة، بل خطوة إستراتيجية تعيد رسم دور أوتاوا في التحالفات الدفاعية العالمية وتمنحها تأثيراً أوسع في منظومة الأمن الأوروبية والعالميّة.»

وأيضاً، في رأي هيئة التحرير:
«هذا القرار يُظهر قدرة كندا على استشراف المخاطر، وتعزيز تحالفاتها خارج العلاقات التقليدية، ما يجعله خطوة إستراتيجية تستحق الالتفات إليها بعمق، لا مجرد ترويج سياسي.»

انضمام كندا إلى برنامج الدفاع الأوروبي «Action for the Security of Europe (SAFE)» الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي، يجسّد تغيّراً إستراتيجياً بارزاً في مقاربة أوتاوا للأمن الجماعي خارج الإطار الأطلسي التقليدي، إذ يصبح أول دولة غير أوروبية تشارك في هذا البرنامج الدفاعي الضخم الذي تبلغ قيمته نحو 150 مليار يورو (≈ 174 مليار دولار)، ويمنح الشركات الكندية حق الدخول في مشاريع المناقصات العسكرية المشتركة ودخول الأسواق الأوروبية.

هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد اتفاق تقني لولوج الأسواق العسكرية فحسب، بل تُعدّ إعادة تموضع إستراتيجي في بنية التوازنات الجيوسياسية المتحركة، وبسبب ذلك ترتفع أهميتها أكثر بكثير من مجرد استفادة الشركات الكندية. فهي تعزز قدرة أوتاوا على المناورة الدبلوماسية وتقليل اعتمادها الأحادي (لا سيما على محور واحد مثل الولايات المتحدة)، وتضعها في موقع وسيط بين ضفتي الأطلسي، ما يمكن أن يرفع من وزنها التفاوضي في الملفات الأمنية والتجارية.

أولاً: البعد الإستراتيجي والجيوسياسي

تقليدياً، ارتبطت السياسة الدفاعية الكندية ارتباطاً وثيقاً بحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة. ومع ذلك، يفتح التحوّل نحو SAFE أمام كندا مسار تنويع التحالفات وعدم الاعتماد الكامل على شريك واحد، ويعزّز من قدرتها على لعب دور أكثر تأثيراً في الساحة الدولية.

ثانياً: المكاسب الاقتصادية–الصناعية

القرار يعطي الشركات الكندية العاملة في الصناعات الدفاعية وصولاً إلى مشاريع ومناقصات عسكرية أوروبية مشتركة، ويجعلها قادرة على المنافسة في سوق دفاعي كبير، يضم 27 دولة ويقدر إنفاقه الدفاعي بالمئات من المليارات سنوياً. هذا يعني:

  • توسيع الأسواق التصديرية للمنتجات والتقنيات الكندية؛
  • تحفيز الابتكار التكنولوجي من خلال الشراكات الصناعية؛
  • خلق فرص عمل في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية.
    التحدي الفعلي هنا يتمثل في قدرة الشركات على المنافسة في ظروف سوق تتسم بمعايير فنية صارمة ومتطلبات لوجستية معقدة.

ثالثاً: الأثر العسكري والتقني

البرنامج يتيح إمكانيات تحديث المعدات وتوحيد المعايير التقنية مع الجيوش الأوروبية، وهو أمر بالغ الأهمية في زمن التهديدات المعاصرة التي تشمل الحروب السيبرانية والقدرات الجوية المتقدمة. فالتوافق التقني يُسهم في رفع سرعة الاستجابة في العمليات المشتركة وتخفيض التكاليف التشغيلية.

رابعاً: المخاطر والتحديات

رغم الفرص، هناك مخاطر تحتاج إلى إدارة دقيقة:

  • تداخل الالتزامات الدفاعية متعددة الأطر قد يؤدي إلى ازدواجية في الانفاق أو تضارب في الأولويات؛
  • ارتفاع التوقعات داخل المجتمع السياسي الكندي بشأن زيادة الميزانيات العسكرية؛
  • ضرورة الحفاظ على التوازن الدقيق مع الولايات المتحدة حتى لا يشعر الشريك التقليدي بتراجع الثقة.

خامساً: التقييم الإستراتيجي العام

القرار يبدو، في ميزان المصالح، خطوة إستراتيجية محسوبة أكثر منه مغامرة. فهو لا يستبدل التحالفات التقليدية بقدر ما يضيف طبقة جديدة من الشراكات التي تمنح كندا أدوات إضافية للتفاعل مع تحولات النظام الدولي. نجاح هذه الخطوة يتوقف على إدارة متوازنة تجمع بين الدبلوماسية الدفاعية والابتكار الصناعي، مع الحفاظ على مرونة القرار الوطني.

يمكن اعتبار انضمام كندا لبرنامج SAFE قراراً إستراتيجياً ذكياً إذا ما أُدير ضمن رؤية طويلة المدى تدمج بين الدفاع المشترك والاقتصاد الصناعي، وتحرص على توسيع شبكة الشراكات دون التضحية بالاستقلالية. في عالم تتسارع فيه التحولات الأمنية، فإن توسيع دائرة الشراكات يُعدّ استثماراً مهماً لتقليل المخاطر مستقبلًا وليس مجرد خيار تكتيكي عابر.

وفي المحصلة، وبناءً على ما سبق، ثم استناداً إلى المؤشرات الإستراتيجية والاقتصادية معاً، يمكن الجزم بأن القرار يحمل أبعاداً مركّبة. ومع ذلك، فإن نجاحه يعتمد على التنفيذ العملي لا على النوايا فقط. إضافةً إلى ذلك، فإن التوازن بين الاستقلالية والتحالفات سيبقى عاملاً محورياً. ومن ثمّ، فإن المتابعة الدورية والتقييم المرحلي يسمحان بتصحيح المسار عند الحاجة، وبالتالي تتحول الخطوة من احتمال نظري إلى مكسب واقعي طويل الأمد.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار