الرأي والتحليل

لماذا أخطأت السياسة في فهم الإنسان؟ من التوحيدي إلى عصر الذكاء الاصطناعي

ينطلق هذا المقال من شذرة أبو حيان التوحيدي «إنَّ الإنسانَ أشكَلَ الإنسانَ» ليؤسس لأطروحة سياسية معاصرة مفادها أن كل نظام حكم يقوم، صراحة أو ضمنًا، على تعريفٍ للطبيعة البشرية. ومن خلال مقارنة عابرة للعصور تضمّ أرسطو وتوماس هوبز وجان جاك روسو وحنة آرنت، يبيّن النص أن اختزال الإنسان في بُعد واحد — أمني، أخلاقي، اقتصادي أو تقني — ينتج بالضرورة انحرافًا سياسيًا.

كما يحاجج المقال بأن اليقين التقني المعاصر، خاصة في ظل توسّع الذكاء الاصطناعي، يهدد بإعادة إنتاج وهم «الفهم الكامل للإنسان». ومن ثمّ، يدعو إلى تبنّي أخلاقيات التواضع المعرفي بوصفها شرطًا للشرعية الديمقراطية واستدامة الحكم.

إنَّ الإنسانَ أشكَلَ الإنسانَ» أبو حيان التوحيدي

الإنسان أشكل الإنسان: من التوحيدي إلى عصر اليقينيات السياسية

 ليست عبارة التوحيدي مجرد شذرة بلاغية، بل هي أطروحة سياسية مضغوطة. فحين يكتب في «الهوامل والشوامل»: «إنَّ الإنسانَ أشكَلَ الإنسانَ»، فإنه لا يصف التباسًا نفسيًا عابرًا، بل يؤسس لمبدأ حاكم في فهم السلطة. ذلك أن كل نظام سياسي يبدأ — صراحة أو ضمنًا — بتعريف الإنسان. ومن ثمّ، فإذا كان الإنسان ملتبسًا على ذاته، فإن كل يقين سياسي يصبح، بالضرورة، موضع مساءلة.

في زمن تتسارع فيه الخوارزميات وتُدار فيه الدول عبر نماذج تنبؤية، يبدو أن السياسة تقترب من التحول إلى علم إدارة سلوك. غير أن هذه الثقة التقنية تصطدم بسؤال جوهري: هل يمكن اختزال الإنسان إلى بيانات دون أن نفقد جوهره؟ هنا يستعيد التوحيدي راهنيته، لا بوصفه مفكرًا تراثيًا، بل بوصفه ناقدًا مبكرًا لوهم اليقين.

أولًا: الإشكال الأنثروبولوجي كأساس للنظام السياسي

عرّف أرسطو الإنسان بأنه «حيوان سياسي بالطبع»، معتبرًا أن المدينة فضاء تحقق الفضيلة. غير أنّ هذا التعريف، رغم عمقه، يفترض درجةً من الثبات في الطبيعة البشرية. أما التوحيدي، فيتجاوز الوصف الوظيفي ليكشف توترًا داخليًا دائمًا: عقلٌ يطلب الحكمة، وهوىً يجرّه إلى التناقض.

ثم يأتي توماس هوبز ليؤسس، في «اللفياثان»، لدولة قوية تكبح عنف الإنسان الكامن. وعلى النقيض، يرى جان جاك روسو أن الإنسان خيّر بطبعه، وأن المجتمع هو مصدر الفساد. بيد أن كليهما يشتركان في افتراض تعريف حاسم للطبيعة البشرية.

أما حنة آرنت، وخصوصًا في كتابها «أصول الشمولية»، فتقدّم مقاربة أكثر تركيبًا؛ إذ تبيّن أن الخطر لا ينبع فقط من شرٍّ متأصل، بل من توقف الإنسان عن التفكير. «تفاهة الشر» لا تعني ضآلة الأذى، بل تعني اعتياديته داخل مؤسسات تدّعي العقلانية. وهنا يلتقي تحليلها مع حدس التوحيدي: المشكلة ليست في تعريفٍ خاطئ للإنسان فحسب، بل في الادعاء بأننا امتلكنا التعريف النهائي.

ومن ثمّ، نستنتج أن كل تصور للإنسان يولّد تصورًا للدولة. فإذا اعتبرناه ذئبًا، بنينا جهازًا أمنيًا متضخمًا؛ وإذا تخيلناه ملاكًا، حلمنا بطوباوية قد تنقلب إلى قسر باسم الفضيلة.

ثانيًا: من الفلسفة إلى الممارسة — حين يتحول الاختزال إلى عنف

التاريخ الحديث يقدّم مثالًا صارخًا على مخاطر اليقين الأنثروبولوجي. ففي أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، تبنّت الولايات المتحدة وحلفاؤها مقاربة أمنية موسعة اعتبرت «الخطر» صفةً قابلة للتعميم. غير أن سياسات المراقبة الشاملة، رغم تبريرها بحماية المجتمع، أثارت جدلًا عميقًا حول التوازن بين الأمن والحرية. هنا يظهر الدرس التوحيدي بوضوح: حين يُختزل الإنسان في احتمال تهديد، تتحول الحماية إلى تقييد.

كذلك، خلال جائحة كوفيد-19، أثبتت التجربة أن النماذج الوبائية، مهما بلغت دقتها، لم تستطع وحدها إدارة الخوف الجماعي أو الانقسام الاجتماعي. لقد احتاجت الحكومات، بالإضافة إلى الأرقام، إلى خطاب يراعي هشاشة الإنسان. وبالتالي، فإن الأزمة كشفت حدود «العقل الحسابي» حين ينفصل عن الفهم الإنساني.

وعليه، فإن تجاهل إشكالية الإنسان لا ينتج فقط خطأً نظريًا، بل يخلق توترًا سياسيًا ملموسًا. فحيثما يُختزل المواطن في رقم، تتآكل الثقة؛ وحيثما يُعترف بتعقيده، تتسع مساحة الشرعية.

ثالثًا: أخلاقيات المسؤولية — التواضع بوصفه فضيلة سيادية

إن القراءة السياسية لعبارة «الإنسان أشكل الإنسان» تقود إلى أخلاقيات حكم مختلفة:

•التواضع المعرفي: لا توجد قاعدة بيانات تُحيط بالإنسان إحاطة كاملة؛ لذلك يجب أن تبقى السياسات قابلة للتعديل.

•المساءلة الذاتية: قبل أن نحاسب المجتمع، علينا مساءلة تصوراتنا عنه.

•إدارة الهشاشة لا قمعها: لأن السياسة، في جوهرها، إدارةُ توترٍ إنساني دائم بين الخوف والأمل.

ومن ثمّ، تصبح القوة الحقيقية ليست في الادعاء بأننا نفهم الإنسان، بل في الاعتراف بأن فهمه عملية مفتوحة. هذا الاعتراف لا يُضعف الدولة؛ بل يمنحها مرونة أخلاقية.

التوحيدي في زمن الذكاء الاصطناعي

اليوم، بينما تتقدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل السلوك والتنبؤ بالاتجاهات، يتجدد السؤال التوحيدي بصيغة أكثر إلحاحًا: هل يمكن أن يتحول الغموض الإنساني إلى معادلة؟ وإذا حدث ذلك، فهل يبقى الإنسان إنسانًا؟

إن عبارة التوحيدي لا تدعو إلى الشك العدمي، بل إلى الحذر الخلاق. فهي تذكّرنا بأن اليقين السياسي، مهما بدا عقلانيًا، قد يخفي تبسيطًا خطيرًا. ولذلك، فإن الاعتراف بأن الإنسان «أشكل الإنسان» ليس ترفًا فلسفيًا، بل شرطًا لبقاء السياسة إنسانية.

وهكذا، فإن المقال لا يقدّم مديحًا للغموض، بل دفاعًا عن الحرية في وجه الادعاء المعرفي المطلق. فقبل أن نحكم الإنسان، علينا أن نقبل بأنه أعقد من أن يُختزل — وأن السلطة، إن لم تعترف بذلك، قد تنقلب على ما تزعم حمايته.

 الذكاء الاصطناعي وحدود النمذجة الإنسانية

إذا كان المقال قد أشار إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه سياقًا معاصرًا لإشكالية التوحيدي، فإن التطور الراهن يفرض توسيع النقاش. اليوم، تعتمد الحكومات والشركات الكبرى على نماذج تنبؤية لتحليل السلوك الانتخابي، وتوقع الاضطرابات الاجتماعية، وحتى تقييم «المخاطر الفردية». غير أنّ هذه النماذج — مهما بلغت دقتها الإحصائية — تقوم على افتراض ضمني: أن الإنسان قابل للنمذجة الكاملة.

هنا يتجدد السؤال التوحيدي في صيغة تقنية:

هل الغموض الإنساني خطأ في البيانات، أم بُعدٌ بنيوي في الكينونة البشرية؟

تشير تجارب الخوارزميات التنبؤية في العدالة الجنائية — خصوصًا في الولايات المتحدة — إلى أن النماذج قد تعيد إنتاج تحيزات تاريخية لأنها تتغذى على بيانات غير محايدة. وبالتالي، فإن ادعاء «الحياد الحسابي» يخفي اختزالًا ثقافيًا وأخلاقيًا. هذا ما كانت حنة آرنت ستسميه خطر العقل الأداتي عندما ينفصل عن التفكير النقدي.

ومن جهة أخرى، تُظهر تطبيقات تحليل السلوك الجماهيري في الحملات الانتخابية أن التنبؤ لا يعني الفهم. إذ يمكن للنظام أن يتوقع رد فعل، لكنه لا يدرك معناه الرمزي أو خلفيته الوجودية. وبذلك، يظل الفرق قائمًا بين «توقع» الإنسان و«فهمه».

إن القيمة العالمية لأطروحة التوحيدي تكمن تحديدًا هنا: فهو لا ينفي إمكان المعرفة، لكنه ينفي اكتمالها. ولذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لا يدحض عبارته، بل يؤكدها. فكلما توسعت قدرتنا الحسابية، ازداد وعيُنا بحدودها.

ومن ثمّ، فإن التحدي السياسي في القرن الحادي والعشرين لا يتمثل في رفض التقنية، بل في تأطيرها أخلاقيًا. أي في الاعتراف بأن النماذج أدوات مساعدة، لا بدائل عن الحكم البشري المسؤول. فحين تتحول الأداة إلى مرجعية نهائية، يبدأ خطر التبسيط الذي حذّر منه التوحيدي قبل ألف عام.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار