أقلام حرة

لماذا فنزويلا؟ قراءة هادئة!

هذا المقال كنت كتبته قبّل حادثة مادورو وتقديمه للمحاكمة في امريكا. أصررت على نشره لأنه في نظري مازال يحتفظ بالراهنية التي تتمايل عليها الأحداث لحد الآن.

لم يكن تهديد دونالد ترامب لفنزويلا حدثًا معزولًا أو زلة خطابية عابرة، بل جاء منسجمًا مع ملامح استراتيجية أمريكية جديدة أعلنها الأسبوع الماضي، تقوم على إعادة تعريف الخصوم، وتضييق هامش التسامح مع الأنظمة التي يعتبرها “مزعزِعة للاستقرار” في المجال الحيوي للولايات المتحدة. فنزويلا، في هذا السياق، ليست الهدف بحد ذاتها، بل نقطة تقاطع لعدة دوافع سياسية واقتصادية وجيوستراتيجية.

أو لًا: العودة إلى منطق “نصف الكرة الغربي”!

لا يبدو التصعيد الأميركي الأخير ضد فنزويلا، كما يقدّمه دونالد ترامب، مجرد فصل في “الحرب على المخدرات”، ولا ردّ فعل على أزمة إنسانية أو ديمقراطية، بل جزءًا من تحوّل أعمق في الرؤية الاستراتيجية الأميركية، فأحد أبرز مرتكزات خطاب ترامب الجديد هو إعادة الاعتبار لمبدأ الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي. هذا المبدأ، الذي يعود في جذوره إلى “عقيدة مونرو”، يرى أن أي نفوذ خارجي—خصوصًا الروسي أو الصيني أو الإيراني—في أمريكا اللاتينية يُعد تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي.

فنزويلا، بعلاقاتها المتقدمة مع موسكو وبكين، وتحولها إلى منصة نفوذ لقوى مناوئة لواشنطن، تمثل في نظر ترامب نموذجًا يجب “ردعه” لإيصال رسالة أوسع مفادها أن الولايات المتحدة عادت إلى سياسة الخطوط الحمراء الصارمة في جوارها المباشر. من منظور استراتيجي، تمثل فنزويلا عقدة جيوسياسية نادرة: أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، موقع جغرافي حيوي في الكاريبي، ونظام سياسي يرتبط بعلاقات وثيقة مع بكين وموسكو وطهران. هذا المزيج وحده كافٍ ليجعلها هدفًا مباشرًا في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي أعلنها ترامب، والتي تقوم على مبدأ واضح: منع الخصوم الكبار من ترسيخ نفوذهم قرب المجال الحيوي الأميركي. المفكر الأمريكي جون ميرشايمر، أحد أبرز منظّري الواقعية الهجومية، لخّص هذا المنطق في مقال له بـ Foreign Affairs حين كتب:

“القوى العظمى لا تتحمّل وجود قوى منافسة في جوارها المباشر، لأن ذلك يُقوّض أساس الردع والنفوذ.”

فنزويلا، في هذا السياق، ليست خطرًا بحد ذاتها، بل خطرًا لأنها تفتح نافذة للصين وروسيا وإيران داخل نصف الكرة الغربي.

ثانيًا: النفط والمعادن النفيسة: حدود المواجهة مع  الصين!

رغم أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، فإن تهديد ترامب لها لا ينطلق فقط من حسابات الطاقة التقليدية. في الاستراتيجية الجديدة، لا يُنظر إلى النفط بوصفه موردًا اقتصاديًا فحسب، بل كأداة نفوذ جيوسياسي.

ترامب يدرك أن استمرار النظام الفنزويلي الحالي خارج السيطرة الأمريكية يتيح للصين وروسيا استخدام الطاقة كسلاح نفوذ في الأسواق العالمية. القلق الأمريكي من الصين لا يرتبط فقط بالتجارة أو التكنولوجيا، بل بالطاقة والمعادن الاستراتيجية. فنزويلا تمتلك، إلى جانب النفط، احتياطات ضخمة من المعادن الأرضية النادرة، التي تمثل عصب الصناعات التكنولوجية والعسكرية المستقبلية. الصحفي الأمريكي توماس فريدمان كتب في New York Times: “الصراع الحقيقي في القرن الحادي والعشرين ليس على الأرض، بل على الموارد التي تُغذّي الاقتصاد الرقمي والطاقة المستقبلية.” من هذا المنظور، فإن أي توسع صيني في قطاع الطاقة الفنزويلي يُعد تهديدًا طويل الأمد للقدرة الأمريكية على التحكم في سلاسل الإمداد العالمية.

بالنسبة لروسيا، تمثل فنزويلا موطئ قدم سياسي وعسكري في خاصرة الولايات المتحدة. وجود مستشارين روس، صفقات تسليح، وتنسيق سياسي، يعيد إلى الأذهان منطق “كوبا الستينيات”، حتى وإن اختلفت الظروف. الخبير الاستراتيجي الأمريكي ستيفن والت كتب في Foreign Policy: “ما يزعج واشنطن ليس قوة روسيا بحد ذاتها، بل قدرتها على إرباك النظام الدولي بأدوات محدودة وفي أماكن حساسة.” ترامب، عبر تهديده لفنزويلا، يبعث برسالة مزدوجة: ردع موسكو، وإثبات أن واشنطن لم تتخلَّ عن مناطق نفوذها التقليدية. الخشية الأمريكية أن يتحول التراخي في فنزويلا إلى سابقة تُغري خصومًا آخرين بتوسيع هامش حركتهم.

ثالثًا: السياسة الداخلية بلباس خارجي!

لا يمكن فصل تهديد فنزويلا عن الحسابات الداخلية لترامب. الاستراتيجية الجديدة تخاطب قاعدته الانتخابية بلغة “القوة” و”الحزم” و”استعادة الهيبة الأمريكية”. فنزويلا تمثل خصمًا مثاليًا في هذا السياق: نظام معزول دوليًا، أزمة اقتصادية خانقة، وسمعة إعلامية سلبية داخل الولايات المتحدة. مهاجمتها سياسيًا—وحتى التلويح بالقوة—يوفر لترامب فرصة الظهور بمظهر القائد الذي لا يتردد في مواجهة “الأنظمة الاشتراكية الفاشلة”، وهو خطاب يلقى صدى واسعًا لدى جمهوره خاصة مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية. تهديد فنزويلا يتجاوز حدودها الجغرافية. الرسالة الحقيقية موجهة إلى أطراف أخرى: كوبا، نيكاراغوا، وحتى إيران وروسيا. وفق الاستراتيجية الجديدة، يعتمد ترامب على ما يمكن تسميته “الردع بالقدوة”: أي ضرب أو تهديد الحلقة الأضعف في شبكة الخصوم لإجبار البقية على إعادة الحسابات. فنزويلا هنا تُستخدم كنموذج لإظهار أن واشنطن مستعدة للذهاب بعيدًا إذا شعرت بأن نفوذها يتآكل.كما أنها وبكل وضوع تمثل اختبارا  للنظام الدولي الجديد في ظل عالم يتجه نحو تعددية قطبية مضطربة،  ففنزويلا ساحة اختبار لحدود هذا التحول. ترامب، عبر تهديداته، يختبر ردود فعل الصين وروسيا: هل ستدافعان فعليًا عن حليفهما؟ أم ستكتفيان بالتصريحات؟ هذا الاختبار جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى قياس تماسك معسكر الخصوم، ومعرفة أين يمكن الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

في نظري، تهديد ترامب لفنزويلا ليس مقدمة حتمية لحرب، ولا مجرد تصعيد لفظي. إنه أداة ضمن استراتيجية أمريكية جديدة تقوم على استعراض القوة، وإعادة رسم مناطق النفوذ، واستخدام الخصوم الهامشيين لإعادة ترتيب التوازنات الكبرى. فنزويلا، في هذا المشهد، ليست سوى ساحة صغيرة في لعبة أكبر، عنوانها: كيف تحاول الولايات المتحدة، في عهد ترامب، فرض شروطها في عالم لم يعد يقبل الهيمنة بسهولة، لكنه لم يتخلص منها بعد.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار