مغاربة العالم في البرلمان: هل حان وقت الجسر التشريعي العابِر للقارات؟
“تمثيل الجاليات ليس رفاهية سياسية، بل امتداد طبيعي لمفهوم المواطنة في العصر الحديث.”
— الدكتور يوسف الخطيب، خبير القانون الدستوري المقارن
رأي التحرير:
من الواضح أن المغرب يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف المواطنة، ليس على الورق فحسب، بل من خلال تمثيل تشريعي فعلي للجالية. القرار لن يكون مجرد إجراء تقني، بل اختبار حقيقي لديناميكية الدولة الحديثة في العصر العالمي.
إمكانية تخصيص مقاعد برلمانية لمغاربة العالم: بين الامتداد الدستوري والتحول الاستراتيجي
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها مفهوم الدولة الوطنية في القرن الحادي والعشرين، لم تعد المواطنة مرتبطة حصراً بالحدود الجغرافية، بل أصبحت مرتبطة بالانتماء القانوني والثقافي والاقتصادي في آنٍ واحد. ومن هذا المنطلق، يبرز نقاش تخصيص مقاعد برلمانية لمغاربة العالم بوصفه قضية مؤسساتية ذات أبعاد دستورية واستراتيجية، لا مجرد خيار انتخابي تقني، بل تصور متكامل لعلاقة المغرب بامتداده البشري خارج حدوده.
أولاً: الإطار الدستوري والسياسي
ينص دستور المملكة المغربية لسنة 2011 صراحة على ضمان الحقوق السياسية والمدنية للمغاربة المقيمين بالخارج، كما يؤكد على مشاركتهم في تدبير الشأن العام. غير أن التفعيل العملي لهذا المبدأ ظل، إلى حد بعيد، محصوراً في صيغ استشارية أو آليات غير مباشرة.
ومن ثمّ، يطرح النقاش الحالي سؤالاً محورياً:
هل يظل الحق الدستوري في المشاركة حقاً نظرياً، أم يتحول إلى تمثيل تشريعي مباشر داخل البرلمان؟
وعليه، فإن الانتقال من المبدأ إلى الممارسة لا يرتبط فقط بإرادة سياسية ظرفية، بل يتطلب رؤية مؤسساتية واضحة توازن بين الواقعية القانونية والطموح الديمقراطي.
ثانياً: المبررات الداعمة للتمثيل البرلماني
1. الامتداد الديمغرافي والاقتصادي
تشير التقديرات إلى أن الجالية المغربية المقيمة بالخارج تتجاوز 5.1 مليون شخص مسجلين رسمياً لدى المصالح القنصلية، وقد يصل العدد بما في ذلك غير المسجلين إلى حوالي 6 ملايين شخص، موزعين على أكثر من مائة دولة، مع تمركز أساسي في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية.
وعلاوة على ذلك، بلغت تحويلات مغاربة العالم نحو 117.7 مليار درهم في عام 2024 (حوالي 11.7 مليار دولار)، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من العملة الصعبة ويسهم بنحو 8–9% من الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب. ومن ثم، يصبح من المنطقي الربط بين الثقل الاقتصادي والمشروعية السياسية.
2. القوة الناعمة والدبلوماسية الموازية
فضلاً عن البعد الاقتصادي، يشكل مغاربة العالم جسوراً ثقافية وحضارية بين المغرب ودول الإقامة. وبالتالي، فإن تمثيلهم برلمانياً قد يحول هذا الحضور الرمزي إلى أداة دبلوماسية مؤسساتية تعزز المصالح الوطنية في الخارج.
3. العدالة التمثيلية ومبدأ المساواة
من جهة أخرى، يقوم النظام الديمقراطي على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. ومن هذا المنظور، فإن المواطن الذي يحتفظ بروابطه القانونية والوجدانية مع وطنه، ويُسهم في اقتصاده وصورته الدولية، يمتلك مبدئياً حق المشاركة في صناعة القرار التشريعي.
ثالثاً: التحديات والإكراهات المحتملة
1. التعقيد اللوجستي والتنظيمي
تنظيم انتخابات خارج الحدود الوطنية يتطلب بنية تقنية وإدارية دقيقة تشمل التسجيل الانتخابي، المراقبة، التمثيل القنصلي، والتكلفة المالية. لذلك، فإن نجاح التجربة يرتبط بمدى قدرة المؤسسات على إدارة هذا الامتداد الجغرافي الواسع بكفاءة وشفافية.
2. إشكالية الازدواجية القانونية
علاوة على ذلك، قد يثير حصول بعض أفراد الجالية على جنسيات مزدوجة تساؤلات قانونية في دول الإقامة، مما يستوجب تنسيقاً دبلوماسياً وقانونياً يضمن وضوح الانتماء السياسي دون خلق توترات غير ضرورية.
3. التوازنات الحزبية الداخلية
في المقابل، قد يؤدي إدماج كتلة انتخابية خارجية إلى إعادة تشكيل الخريطة الحزبية داخل البرلمان، خصوصاً إذا اختلفت أولويات الخارج عن أولويات الداخل. ومن هنا، تظهر الحاجة إلى تصميم انتخابي متوازن يضمن الانسجام المؤسسي.
رابعاً: التجارب المقارنة دولياً
اعتمدت دول عدة، مثل فرنسا وإيطاليا والبرتغال وتونس، نماذج تمثيل برلماني لجالياتها في الخارج. وقد أظهرت هذه التجارب أن النجاح يتحقق عندما تتوفر ثلاثة عناصر مترابطة:
- وضوح الإطار القانوني والتنظيمي
- شفافية العملية الانتخابية
- تحديد دقيق لعدد المقاعد وصلاحيات النواب
وبالتالي، تؤكد هذه النماذج أن التمثيل الخارجي ليس استثناءً ديمقراطياً، بل ممارسة مؤسساتية قابلة للتكييف وفق خصوصيات كل دولة.
خامساً: السيناريوهات الممكنة للمغرب
بدلاً من الانتقال الفوري إلى تمثيل واسع، يمكن اعتماد مقاربة تدريجية، مثل:
- تخصيص عدد محدود من المقاعد في مرحلة أولى
- إنشاء دوائر انتخابية قارية (أوروبا – أمريكا – إفريقيا – آسيا)
- توظيف التصويت الرقمي المؤمَّن لتقليل التكاليف
- أو تعزيز المجالس الاستشارية تمهيداً للتمثيل التشريعي الكامل
وعليه، فإن التدرج يتيح اختبار الآليات وتقييم النتائج قبل التوسع المؤسسي.
معطيات رقمية ومرجعية داعمة
تُظهر المؤشرات الاقتصادية أن تحويلات مغاربة العالم تُصنف ضمن الأعلى إفريقياً، وهو ما يعكس وزنهم المالي في الاقتصاد الوطني. إضافةً إلى ذلك، تحتل الجالية المغربية مركزاً متقدماً بين الجاليات الإفريقية من حيث حجم التحويلات، وغالباً ما تكون الثانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد مصر.
كما تشير الدراسات المقارنة إلى أن تمثيل الجاليات في البرلمانات الوطنية أصبح اتجاهاً متنامياً في الديمقراطيات الحديثة، حيث ينظر الخبراء إلى هذا التمثيل بوصفه امتداداً طبيعياً لمفهوم المواطنة العابرة للحدود لا امتيازاً استثنائياً.
في المحصلة، لا يتعلق تخصيص مقاعد برلمانية لمغاربة العالم بقرار إداري محدود، بل يمثل تحولاً في فلسفة الدولة تجاه مواطنيها خارج الحدود. فمن ناحية، يمكن لهذا الخيار أن يعزز صورة المغرب كدولة حديثة منفتحة على امتدادها البشري؛ ومن ناحية أخرى، يتطلب الأمر تصميماً مؤسساتياً دقيقاً يضمن الفعالية والانسجام.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد المقاعد بقدر ما يكمن في نوعية الجسر المؤسسي الذي سيربط الداخل بالخارج:
هل سيكون جسراً رمزياً يعكس الحضور المعنوي؟
أم شراكة تشريعية كاملة تجسد مغرباً ممتداً بحدوده الإنسانية بقدر امتداده الجغرافي؟
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار