الرأي والتحليل

من الذاكرة إلى الاستراتيجية: هل أصبح الموقف الأمريكي من الصحراء سياسة مؤسساتية؟

من قرار ترامب في 2020 إلى خطاب 2026: اختبار الاستمرارية الأمريكية تجاه المغرب

إذا كان استحضار سنة 1777 يمنح العلاقة الأمريكية–المغربية عمقًا تاريخيًا، فإن السؤال الأصعب يبدأ بعد ذلك:

هل تحولت هذه الذاكرة التاريخية إلى سياسة استراتيجية قادرة على الصمود أمام تغير الإدارات الأمريكية؟

هذا السؤال ليس نظريًا.

ففي 10 ديسمبر 2020، اتخذ الرئيس دونالد ترامب خطوة تاريخية عندما أعلن اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المملكة المغربية على الصحراء الغربية، وربط ذلك بدعم مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسًا لحل النزاع.[1]

ومنذ ذلك التاريخ، أصبح اختبار الاستمرارية أكثر أهمية من اختبار الخطاب.

فإذا ظل القرار محصورًا في إعلان رئاسي، يمكن اعتباره موقف إدارة.

أما إذا استمر داخل مؤسسات الدولة الأمريكية وخطابها الدبلوماسي، فإننا نكون أمام مؤشر على انتقال السياسة من قرار رئاسي إلى اتجاه مؤسسي.

2020: نقطة التحول

يمثل إعلان ترامب في ديسمبر 2020 نقطة تحول واضحة في السياسة الأمريكية.

فالإعلان نص صراحة على اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على كامل إقليم الصحراء الغربية، وأعلن أن واشنطن ترى أن حل النزاع يكمن في مقترح الحكم الذاتي المغربي.[1]

وكان هذا مختلفًا عن الصياغات الأمريكية السابقة.

فوثائق وزارة الخارجية الأمريكية من ثمانينيات القرن الماضي تكشف أن واشنطن كانت تميز بين الاعتراف بالسيطرة الإدارية المغربية وبين الاعتراف بالسيادة المغربية.[2][3]

وهنا يظهر حجم التحول.

فالسياسة الأمريكية لم تكن دائمًا على الصورة نفسها.

وهذا دليل مهم على أن «التاريخ المشترك» لا يعني أن السياسة الخارجية ثابتة.

إنما السياسة تتغير عندما تتغير المصالح والظروف والتقديرات الاستراتيجية.

ماذا حدث بعد 2020؟

السؤال الآن هو:

هل بقي قرار 2020 مجرد قرار لترامب؟

المؤشرات اللاحقة تجعل الإجابة أكثر تعقيدًا.

ففي 2026، واصلت وزارة الخارجية الأمريكية استخدام لغة تؤكد الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية ودعم مقترح الحكم الذاتي المغربي.[4]

وهنا تكمن نقطة مهمة جدًا.

فالموقف لم يعد موجودًا فقط في وثيقة رئاسية صدرت سنة 2020.

بل ظهر أيضًا في خطاب الجهاز الدبلوماسي الأمريكي.

وهذا لا يعني أنه أصبح غير قابل للتغيير.

لكنه يعني أن هناك درجة من الاستمرارية المؤسسية تستحق الدراسة.

بين «ترامب» و«الولايات المتحدة»

من الخطأ مساواة سياسة الولايات المتحدة بسياسة الرئيس في كل لحظة.

فالسياسة الخارجية الأمريكية تعمل من خلال شبكة مؤسسات.

الرئيس يملك صلاحيات واسعة، لكن الكونغرس ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع والأجهزة الأمنية والمؤسسات الاقتصادية تؤثر أيضًا في مسار السياسة الخارجية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل ترامب يؤيد المغرب؟

بل:

إلى أي درجة أصبح الموقف من المغرب والصحراء جزءًا من منظومة المصالح والسياسات والمؤسسات الأمريكية؟

وهنا تظهر أهمية الانتقال من تحليل الخطاب إلى تحليل المؤسسة.

الاستمرارية ليست التزامًا أبديًا

حتى لو استمر الموقف الأمريكي عدة سنوات، فهذا لا يعني أنه أصبح غير قابل للتراجع.

التاريخ الأمريكي نفسه يقدم أمثلة على تغير السياسة.

فوثائق وزارة الخارجية في الثمانينيات تبين بوضوح أن واشنطن لم تكن تعترف آنذاك بالسيادة المغربية على الصحراء بالصورة التي أُعلنت سنة 2020.[2][3]

إذن، فإن الاعتراف التاريخي بالعلاقة الأمريكية–المغربية لم يمنع التغير في السياسة.

ومن هنا يجب صياغة النتيجة بدقة:

العلاقة التاريخية تزيد من رصيد الاستمرارية، لكنها لا تلغي البراغماتية.

الأمم المتحدة: السقف الذي لا يمكن تجاهله

مهما كان وزن الموقف الأمريكي، فإن قضية الصحراء تظل داخل الإطار الأممي.

وفي 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2797 بشأن الصحراء الغربية، ومدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية حتى 31 أكتوبر 2026، مع استمرار المسار السياسي الأممي.[5]

وهذا يفرض تمييزًا أساسيًا بين ثلاثة مستويات:

الموقف الأمريكي

اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية ودعم مقترح الحكم الذاتي.

الموقف الأممي

إدارة النزاع من خلال العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.

التسوية النهائية

وهي نتيجة لم تُحسم بمجرد إعلان دولة واحدة لموقفها.

وهذا التفريق يحمي التحليل من الخلط بين الاعتراف السياسي الأمريكي وبين تسوية النزاع على المستوى الدولي.

لماذا لا يمكن فصل المغرب عن الجزائر؟

لا يمكن فهم السياسة الأمريكية تجاه الصحراء بمعزل عن البيئة المغاربية.

فالخلاف المغربي–الجزائري يمثل أحد أهم الأبعاد الإقليمية للنزاع.

وتكشف وثائق السياسة الخارجية الأمريكية التاريخية أن واشنطن كانت ترى في العلاقات المغربية–الجزائرية والتنافس بين البلدين عنصرًا أساسيًا في استقرار شمال إفريقيا.[6]

ومن ثم فإن أي تعميق للشراكة الأمريكية–المغربية ستكون له انعكاسات إقليمية.

وهذا لا يعني أن السياسة الأمريكية موجهة بالضرورة ضد الجزائر.

لكن يعني أن واشنطن تتعامل مع منطقة تتداخل فيها:

الصحراء + المغرب + الجزائر + الساحل + أوروبا + الأمن الأطلسي والمتوسطي.

ومن هنا تصبح قيمة المغرب بالنسبة إلى الولايات المتحدة أكبر من قضية الصحراء وحدها.

المغرب كشريك متعدد الوظائف

المغرب يمثل بالنسبة إلى واشنطن شريكًا يمكن أن تتقاطع معه عدة مصالح:

  • الأمن ومكافحة الإرهاب؛
  • التعاون العسكري؛
  • الاستقرار الإقليمي؛
  • العلاقات الاقتصادية؛
  • الارتباط الأوروبي؛
  • الانفتاح على إفريقيا؛
  • والموقع الجغرافي بين الأطلسي والمتوسط.

وهذا يعني أن قضية الصحراء تقع داخل شبكة مصالح أوسع.

وهذه النقطة مهمة جدًا لفهم استمرارية السياسة الأمريكية.

فكلما اتسعت شبكة المصالح، أصبح من الصعب اختزال العلاقة في ملف واحد.

من التاريخ إلى «الرأس المال المؤسسي»

إذا كان التاريخ يمثل رأس مال رمزيًا، فإن المؤسسات تمثل رأس المال الحقيقي للاستمرارية.

وتستطيع الرباط تحويل الرصيد التاريخي إلى شراكة أكثر عمقًا من خلال:

الكونغرس + الإدارة + الدفاع + الاقتصاد + الجامعات + مراكز التفكير + المجتمع المدني.

فالعلاقات الدولية الأكثر استقرارًا ليست تلك التي تعتمد على شخص واحد.

بل تلك التي تصبح لها مصالح داخل عدة مؤسسات.

وهنا يمكن صياغة معادلة بسيطة:

الاستمرارية التاريخية + المصالح المشتركة + المؤسسات = شراكة استراتيجية أكثر مقاومة للتغير السياسي.

خمسة مؤشرات لقياس مستقبل العلاقة

إذا أردنا قياس مدى تحول السياسة الأمريكية تجاه المغرب إلى سياسة طويلة الأمد، فينبغي مراقبة خمسة مؤشرات:

أولًا: الاستمرارية عبر الإدارات

هل يستمر الموقف نفسه مع تغير الرئاسة؟

ثانيًا: الكونغرس

هل يتزايد الدعم السياسي للمغرب داخل مجلسي النواب والشيوخ؟

ثالثًا: وزارة الخارجية

هل تستمر اللغة الرسمية نفسها في الوثائق والتقارير؟

رابعًا: التعاون الدفاعي

هل تستمر المناورات والتعاون الأمني والعسكري؟

خامسًا: الاقتصاد

هل يتحول التقارب السياسي إلى مصالح اقتصادية متشابكة؟

كلما ارتفع مستوى هذه المؤشرات، أصبحت السياسة أكثر مؤسسية.

السيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول: الترسخ

يتحول الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء إلى سياسة مستقرة تتجاوز الإدارات.

الاحتمال الاستراتيجي: ارتفاع مستوى الاستمرارية.

السيناريو الثاني: الاستمرارية البراغماتية

تستمر السياسة لأن المغرب يحتفظ بقيمته الاستراتيجية لدى واشنطن، لكن من دون أن تصبح غير قابلة لإعادة التقييم.

الاحتمال: استمرار قوي مع مرونة تكتيكية.

السيناريو الثالث: إعادة المعايرة

تتغير الأولويات الأمريكية في شمال إفريقيا أو تتبدل البيئة الدولية.

قد تتغير الأدوات أو اللغة دون أن تنهار العلاقات الثنائية.

وهذا هو السيناريو الذي يجب ألا تستبعده أي دراسة جادة.

1777 يمنح الذاكرة، و2020 يختبر السياسة

تكشف القراءة المتأنية أن العلاقة الأمريكية–المغربية تتحرك اليوم فوق ثلاثة مستويات متراكبة:

1777–1786: تأسيس تاريخي ودبلوماسي.

2020: تحول نوعي في الموقف الأمريكي من قضية الصحراء.

2026: اختبار لاستمرارية هذا التحول داخل المؤسسات الأمريكية.

ولهذا فإن عبارة «250 سنة» في خطاب ترامب تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تُقرأ ضمن هذا التسلسل.

إنها ليست دليلًا قانونيًا على السيادة.

وليست ضمانة بأن السياسة الأمريكية لن تتغير.

لكنها تمنح العلاقة إطارًا تاريخيًا يسمح بتقديم الموقف الحالي باعتباره جزءًا من علاقة طويلة الأمد.

وهنا تظهر الخلاصة الأهم:

القوة الاستراتيجية للمغرب لا تكمن فقط في الحصول على اعتراف أمريكي، وإنما في تحويل هذا الاعتراف إلى شبكة مؤسساتية واقتصادية وأمنية ودبلوماسية تجعل العلاقة الأمريكية–المغربية أكثر عمقًا من أن تختزل في إدارة أو رئيس أو قرار منفرد.

ومن هذه الزاوية، فإن مستقبل العلاقة لن تحدده الكلمات وحدها.

بل ستحدده المؤسسات والمصالح والتوازنات.

أما التاريخ، فقد أدى وظيفته بالفعل:

لقد منح العلاقة ذاكرة.

والسؤال الآن هو:

هل تستطيع السياسة أن تمنح هذه الذاكرة مستقبلًا؟

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار