أقلام حرة

من نيويورك إلى الرباط: نحو رؤية سياسية شبابية مغربية جديدة!

حين انتُخب زهران ممداني في قلب النظام السياسي الأمريكي، لم يكن الحدث مجرّد فوزٍ لمهاجرٍ مسلمٍ من أصولٍ أفريقية وهندية، بل كان زلزالًا سياسيًا ناعمًا هزّ أركان البنية العميقة للنفوذ والمال واللوبيات. شابٌ صعد من الهامش إلى المنصة، متحدّيًا تحالفاتٍ ماليةٍ وسياسيةٍ راسخة، ومعلِنًا من فوق المنابر أنه سيقف في وجه الظلمٍ، والفقر وغلاء المعيشة. لم يكن زهران نجمًا إعلاميًا أو وريثًا لعائلةٍ نافذة، بل ابنُ مهاجرين بنى شرعيته من صدق كلمته ووضوح مواقفه، فاستطاع أن ينتصر في معقلٍ سياسيٍّ تُرسم فيه الخرائط عادةً داخل الغرف المغلقة. لقد هزم خصومه لأنّه لم يلعب لعبتهم؛ ولأنّ صوته خرج من القلب فبلغ القلوب، لا من المكاتب فغرق في البيروقراطية.

وهناك، على بعد آلاف الكيلومترات، من شوارع نيويورك إلى أزقة الرباط والدار البيضاء وطنجة، ينبغي للشباب المغربي أن يقرأ هذا الحدث لا كخبرٍ خارجي، بل كـ مرآةٍ لذاته: كيف يمكن لجيلٍ جديدٍ، مثله مثل زهران، أن يواجه لوبيات المصالح الكبرى، وأن يقول كلمته في وجه “الشيخوخة السياسية” التي احتكرت القرار السياسي والحزبي لعقود؟

كيف نحول تجربة زهران إلى وصفةٍ تقدمية حيث لا يخاف الشباب من الخوض في الميدان، ولا ينتظرون الإذن من الحرس القديم؟

إنّ رمزية فوز زهران لا تكمن في انتصاره الفردي، بل في تحرير الفكرة السياسية ذاتها من الخضوع والخوف. فكما استطاع أن يهزّ بنية النفوذ الأمريكي، يمكن للشباب المغربي – إذا تجرّأ وقال الحقيقة كما قالها – أن يهزّ جمود الحياة السياسة في بلدنا، وأن يفتح طريقًا جديدًا عنوانه: “السياسة ليست وراثةً ولا امتيازًا، بل مسؤولية جيلٍ قرّر أن ينهض.”

زهران ممداني :نبراسٌ يبدّد شيخوخة السياسة

في زمنٍ تتحوّل فيه السياسة إلى مهنةٍ للوراثة والنفوذ، وتغدو الأحزاب نُخبًا مغلقةً تشيخ أفكارها قبل أجساد قادتها، تبرق من بعيد تجربة زهران ممداني كصاعقةٍ تهدّ أسوار الوصاية السياسية.

لم يكن انتصاره مجرّد فوزٍ انتخابي لشابٍّ من أصولٍ مهاجرة، بل كان ثورةً على ثقافةٍ سياسيةٍ عتيقة تختزل الشرعية في طول البقاء وحجم العلاقات، لا في وضوح الموقف وصدق الالتزام. لقد نجح زهران – ابن المهاجرين ذي الأصول الأوغندية والهندية – في اختراق أعتى المعاقل السياسية وأكثرها تحصينًا بسلاحين بسيطين وعميقين: شجاعة الموقف، ووضوح الرؤية. رفض أن يكون نسخةً مكرّرة من السياسيين التقليديين، فلم يخشَ مهاجمة مراكز القوى المالية، ولا تحدّي الخطاب العنصري الذي حاول تشويهه، ولا الوقوف في وجه سياسات الاستغلال الاقتصادي. كان صوته صادقًا، فاستغنى عن الآلة الإعلامية الضخمة وعن التمويل غير المحدود. إنه، ببساطة، انتصر لأنّ الناس شعروا أنّه واحدٌ منهم، لا متعالٍ عليهم. كما قال أنطونيو غرامشي: “الأزمة تكمن في أن القديم يحتضر، والجديد لم يُولد بعد.” وتجربة زهران هي ميلادٌ سياسيّ جديد، في عالمٍ يتهاوى فيه القديم أمام جرأة الجيل الصاعد.

المغرب: حينما تصبح السياسة وصايةً عائلية

بينما كان زهران يهزّ عروش السياسة التقليدية في عقر دارها، ظلّ المشهد السياسي المغربي عالقًا في دوّامة الوجوه نفسها التي تتناوب على المشهد منذ عقود. أحزابٌ تحوّلت إلى دكاكين عائلية، ومعارضةٌ اكتفت بدور “الديكور الديمقراطي”، وقياداتٌ شابة تُستعمل لتزيين الصور الرسمية، بينما تظلّ خيوط القرار بيد من تجاوزوا سنّ التقاعد بسنواتٍ طويلة. هذه الشيخوخة السياسية ليست مسألة عمرية فحسب، بل فكرية ومنهجية أيضًا. إنها عقليةٌ تتعامل مع السياسة كإرثٍ خاصّ، وتنظر إلى الشباب كتهديدٍ يجب ترويضه لا كطاقةٍ يجب تحريرها. نتيجة ذلك أنّ النخبة السياسية في المغرب أصبحت منفصلةً عن قضايا جيلها، تتناول هموم الشباب – من بطالة وسكن وتعليم – بلغةٍ تقنيةٍ جافة، لا بروحٍ نضاليةٍ صادقة. يقول عبد الرحمن منيف في سيرة مدينة: “حين تحتكر القلّة القرار، تموت السياسة وتتحوّل إلى إدارةٍ للمصالح.”

وهذا ما يحدث حين تتحوّل الأحزاب إلى إقطاعيات لا إلى أفكار.

زهران: درسٌ في تبسيط العمل السياسي

ما يقدّمه زهران للشباب المغربي ليس مجرّد نموذج نجاحٍ سياسي، بل درس في كسر الوصاية السياسية. لقد أثبت بأفعاله قبل أقواله أن:

1. الشرعية تُكتسب بالموقف لا بالوراثة:

لم ينتظر زهران إذنًا من أحدٍ ليخوض معركته. لم يحتج إلى رعاية “العجزة السياسيين” أو دعمٍ عائلي متوارث. شرعيته استمدّها من التزامه اليومي بقضايا الناس: السكن، الأجور، المواصلات، والعدالة الضريبية.

2. الخطاب المبدئي قادرٌ على الإقناع:

في عالمٍ تُختزل فيه السياسة إلى شعاراتٍ سطحية، أثبت زهران أن الوضوح الأخلاقي أقوى من الغموض البراغماتي.

وكما قال نيلسون مانديلا: “الشجاعة ليست غياب الخوف، بل الانتصار عليه.”

3. الصدق يصنع المناعة السياسية:

حين هوجم بسبب دينه وأصوله، لم يتراجع زهران، بل واجه العنصرية بثقةٍ وابتسامة، فحوّل الهجوم إلى تأييدٍ شعبي أوسع.

لقد علّم خصومه أن الكرامة أقوى من الدعاية.

4. السياسة يمكن أن تُمارس بروحٍ إنسانيةٍ شابة:

اهتمامه بكرة القدم، وروحه المرحة، وتفاعله العفوي مع الناس، كلها تُعيد للسياسة وجهها الإنساني المفقود. فالسياسي لا يُفترض أن يكون آلةً جامدة، بل إنسانًا يتنفّس قضايا الناس.

جيل زد المغربي: صرخة لم تكتمل ولكنها ضرورية

لا يمكن الحديث عن تجديد السياسة في المغرب دون الإشارة إلى تجربة جيل زد المغربي (Gen Z)، التي ظهرت إرهاصاتها الأولى كصرخة جماعية ضد الفساد وتردي الخدمات الاجتماعية.

شبابٌ استخدم وسائل التواصل الحديثة لا كترفٍ، بل كسلاحٍ احتجاجيٍّ ذكي، أعاد تعريف الشارع السياسي خارج أسوار الأحزاب والنقابات الكلاسيكية. صحيحٌ أنّ تلك الحركات الشبابية تعرّضت لاحقًا لمحاولاتِ التوجيه والتلاعب الخارجي، إلا أنّ جوهرها الأصيل كان صادقًا: مطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية والمحاسبة.

كانت لحظةً نادرةً قالت فيها الأجيال الجديدة: “لسنا تابعين، ولسنا صامتين.” وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه التجربة:

أنها كشفت قدرة الشباب المغربي على التنظيم الذاتي، واستعمال الفضاء الرقمي كمنبرٍ للمساءلة والمقاومة السلمية. لقد قدّمت درسًا ثمينًا في كيفية تحويل الغضب إلى طاقةٍ تواصليةٍ جماعية، وذكّرت الجميع بأنّ السياسة ليست حكرًا على من يملكون المكاتب، بل هي في المقام الأول من يملكون الصوت والإرادة.

يقول الفيلسوف الفرنسي إدغار موران: “التمرد هو نَفَسُ الحياة حين تختنق الأنظمة.” وجيل زد المغربي هو ذلك النفس الطازج الذي حاول أن يعيد للسياسة معناها الإنساني والاجتماعي.

الشباب المغربي أمام اختبار التحرّر من ثقافة الانتظار

المشكلة في المغرب ليست في غياب الكفاءات الشابة، بل في وجود ثقافةٍ سياسيةٍ تُقدّس الانتظار: انتظار أن ينسحب الكبار، أن تتحسن الظروف، أو أن يُسمح لهم بالمشاركة. إنها ثقافةٌ تقتل الطموح وتخنق المبادرة. من هنا تأتي تجربة زهران كصفعةٍ لهذه الثقافة، ودعوةٍ للشباب المغربي إلى:

-بناء تحالفاتهم الأفقية:

كما فعل زهران حين أسّس قاعدته الشعبية خارج الأطر الحزبية المغلقة، معتمدًا على المتطوعين والتبرعات الصغيرة.

-تحويل الهوامش إلى مراكز قوى:

بدأ زهران من مجلسٍ محلي في كوينز، لكنه جعل من الهامش منطلقًا للنفوذ السياسي. وهذا درسٌ لكل شابٍّ في المغرب. الإصلاح يبدأ من الحيّ، من الجماعة، من الفعل الصغير المتراكم.

-التمرّد على لغة النخبة:

تحدّث بلغة الناس لا بلغة التقارير الرسمية. وكما قال المفكر المغربي المهدي المنجرة: “المعرفة لا تُقاس بالشهادات، بل بقدرتك على مخاطبة الناس بلغتهم.”

خاتمة لابد منها:

فوز زهران ليس حدثًا انتخابيًا عابرًا، بل إعلانٌ عن ولادة مرحلةٍ جديدة.إنه يقول للشباب المغربي:لا تنتظروا إذنًا من أحد. السياسة ليست إرثًا محفوظًا في خزائن الشيوخ، بل مسؤولية جيلكم في أن يُعيد تعريفها. الأهم من عدد السنوات في الميدان هو عدد القيم في المواقف. جيل زد المغربي أثبت أن الوعي يمكن أن يولد من رحم السخرية والميمات، وأنّ الاحتجاج الرقمي يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من البيانات الرسمية. تجربة زهران تذكّر الجميع أن الأبواب الموصدة لا تُفتح بالمفاتيح القديمة، بل بإصرار الطَرق، وأحيانًا بتحطيم الأقفال. إنها دعوة لاستعادة السياسة من براثن الشيخوخة، وتحويلها من فنّ البقاء في السلطة إلى فنّ تحريرها من السلطة. وكما قال خوسيه أورتيغا إي غاسيت: “كل جيل يُبعث ليعيد بناء العالم من جديد.”فليكن الجيل المغربي الحالي هو الذي يعيد بناء السياسة على أسس الكرامة، والصدق، والجرأة في التعاطي مع قضايا الوطن والشعب بكل مسؤولية.

تعليقات الزوار ( 1 )

  1. afun4? Yeah, I’ve played there a couple of times. Decent selection of slots and the site’s pretty user-friendly. Not bad at all. afun4

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار