أقلام حرة

هل تقود سياسات ترامب التجارية إلى كساد عالمي؟

يسود قلق محموم اليوم في الأوساط الاقتصادية والسياسية حول ما إذا كانت رسوم ترامب الجمركية ستجر العالم إلى كساد عظيم. السؤال في جوهره مشروع، لكنه ينطلق من إطار زمني مضلل. فالأزمة التي تتكشف اليوم لم تبدأ مع ترامب، ولن تنتهي عنده. الحقيقة المرة التي نهرب منها هي أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد رئيس غاضب في البيت الأبيض. ترامب، في واقع الأمر، ليس إلا “عرضاً” لمرض مزمن كان يتآكل في جسد الاقتصاد العالمي منذ عقود. نحن أمام تحولات بنيوية أعمق، كان مسارها مرسوماً منذ عقود، وبلغت اليوم نقطة الانكشاف.

وكما قال المؤرخ والاقتصادي الأمريكي تشارلز كيندلبرغر، صاحب نظرية “الاستقرار الهيمني”:

«النظام الاقتصادي العالمي لا يستقر من تلقاء نفسه، بل يحتاج دائماً إلى قوة قائدة تتحمل كلفة إدارته». هذه القاعدة التاريخية هي مفتاح فهم ما يحدث اليوم.

ومن هنا نستنتج في نظري ان هناك عاملان كبيران يعيدان تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، ولا يشكل ترامب سوى متغير ثانوي في معادلتهما.

أولاً: الانقلاب الديموغرافي!

منذ أكثر من قرن، ومع تسارع التحضر وانتقال المجتمعات من الريف إلى المدينة، بدأ عدد المواليد في التراجع بشكل منتظم. في مطلع القرن العشرين، كانت معظم الدول تسجل معدلات خصوبة تتراوح بين ستة وثمانية أطفال لكل امرأة. اليوم، تعيش أغلبية دول العالم تحت مستوى الإحلال السكاني، وبعضها مثل الصين وألمانيا واليابان دخل بالفعل هذه المرحلة منذ أجيال متعاقبة.

الاقتصادي الأمريكي لارنس سمرز حذّر منذ سنوات من هذا المسار حين قال: «الاقتصادات المتقدمة تواجه مستقبلاً لا تعاني فيه من نقص رأس المال، بل من نقص الطلب والبشر القادرين على تحريكه».

هذا التحول لم يكن مفاجئاً، بل كان معروفاً أن العالم سيتجه إلى نقطة انعطاف ديموغرافية ما بين عامي 2025 و2035. في هذا العقد تحديداً، يبدأ النموذج الاقتصادي التقليدي بالتآكل: عدد أقل من المستهلكين، عدد أقل من المنتجين، وعدد أقل من القادرين على الادخار والاستثمار. في المقابل، تزداد نسبة كبار السن الذين يستهلكون رأس المال ولا يساهمون في إنتاجه. ببساطة، الاقتصاد العالمي كان سيضطر إلى التغير جذرياً، سواء حضر ترامب أم لم يحضر. الكساد، أو على الأقل التباطؤ الحاد، كان احتمالاً قائماً بذاته. بمعنى آخر، حتى دون أزمات سياسية أو حروب تجارية، كان الاقتصاد العالمي سيُجبر على إعادة تعريف نفسه.

ثانياً: نهاية العولمة كما عرفناها؟!

العامل الثاني لا يقل ثقلاً: تفكك منظومة العولمة. بعد الحرب العالمية الثانية، أعادت الولايات المتحدة ترتيب النظام العالمي عبر اتفاقيات بريتون وودز، وقدمت عرضاً ضمنياً لبقية العالم: سنضمن أمن التجارة وحرية البحار، مقابل أن نكون نحن من يحدد الإطار الأمني والسياسي العام. بهذه الصيغة، حافظت واشنطن على نظام عالمي مفتوح، وأبقت سوقها الداخلي مفتوحاً أمام الجميع. لكن هذا النظام لم يكن مجانياً، ولم يكن أبدياً. المفكر الاستراتيجي الأمريكي جورج فريدمان لخص هذه الحقيقة بوضوح حين قال:

«العولمة لم تكن نظاماً طبيعياً، بل مشروعاً أمريكياً واعياً، وحين تتوقف أمريكا عن تمويله، فإنه ينهار».لكن هذا النظام لم يكن مصمماً ليستمر إلى الأبد.

اليوم، لم تعد الولايات المتحدة قادرة أو لنقل غير راغبة في الاستمرار بدور الضامن الأوحد للتجارة العالمية. بقية العالم أصبح أكثر ثراءً، وأكثر استقلالاً، وفي الوقت نفسه ظهرت قوى بحرية إقليمية تجعل فكرة “حرية البحار المضمونة” أمراً بالغ الصعوبة. وكما هو الحال مع العامل الديموغرافي، كان معروفاً أن العقد الممتد من 2025 إلى 2035 سيكون عقد الانهيار التدريجي لهذا النظام. تراجع العولمة، اضطراب سلاسل الإمداد، وعودة التنافس على الأسواق والمواد الخام عوض منطق التعاون المفتوح كانت جميعها مسارات شبه حتمية وترامب فقط هو من تجرأ على نزع القناع عن هذه الحقيقة القاسية.

أين يقف دونالد ترامب من هذا المشهد؟

في هذا السياق، لا يمكن تحميل دونالد ترامب مسؤولية نشوء الأزمة العالمية، لكنه بالتأكيد سرّع من وتيرتها. سياساته التعريفية دمّرت المنطق الاقتصادي الذي قام عليه التصنيع خارج الولايات المتحدة، دون أن تبني بديلاً صناعياً داخلياً جاهزاً. وهو ما ادى إلى شبه” انتحار اقتصادي”مغلف بشعارات وطنية ، ومن نتائجه تسريع الانكماش بدلاً من إدارة الانتقال. الاقتصادي الأمريكي بول كروغمان حذّر من هذا النمط من السياسات قائلاً: «الحمائية لا تصبح استراتيجية تنموية إلا إذا جاءت في إطار خطة صناعية متكاملة، أما دون ذلك فهي مجرد ضريبة إضافية على الاقتصاد».

المشكلة لا تكمن فقط في فرض الرسوم، بل في كيفية فرضها. فعلى سبيل المثال، يعاقب النظام التعريفي الحالي سلاسل الإنتاج المتكاملة داخل أمريكا الشمالية. صناعة سيارة واحدة مثلا قد تتطلب عبور القطع بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك عدة مرات، ما يعني فرض الرسوم في كل مرحلة. في المقابل، تصبح الصناعات المغلقة في أوروبا أو شرق آسيا أقل تعرضاً لهذه الكلفة، لأنها تدفع الرسوم مرة واحدة فقط عند التصدير.

وهكذا، وفي لحظة تاريخية تحتاج فيها الولايات المتحدة إلى مضاعفة جهودها في البناء الصناعي، نشهد تباطؤاً في الاستثمار الصناعي المحلي، بينما تجلس الصين بعيداً، تستغل هذه الفوضى لتعزيز صناعاتها المغلقة التي تدفع الرسوم مرة واحدة فقط عند التصدير.

بين الحتمية التاريخية وسوء الإدارة السياسية!

هل كان العالم متجهاً نحو اضطراب اقتصادي واسع النطاق؟ نعم. هل كان تراجع العولمة ووقوع كساد عالمي محتملين بغض النظر عن ساكن البيت الأبيض؟ على الأرجح، نعم أيضاً.

لكن السؤال الحقيقي هو: هل كان يمكن تخفيف الصدمة؟ الجواب هنا أكثر تعقيداً. كانت هناك مساحة واسعة لسياسات انتقالية أذكى، خاصة داخل الولايات المتحدة، تقوم على إعادة بناء القاعدة الصناعية قبل تقويض النظام القائم. ما نشهده اليوم هو العكس: تسريع التفكيك دون بناء البديل. كما قال الاقتصادي الأمريكي جون كينيث غالبريث:

«التاريخ لا يعاقب على الحتميات، بل على سوء التعامل معها». المشكلة ليست أن النظام العالمي يتغير، بل أن التغيير يُدار بطريقة تزيد الكلفة وتُقصّر أفق التخطيط. لذلك، قد لا يكون ترامب هو من أشعل الحريق، لكنه بالتأكيد ليس “الإطفائي” الذي نحتاجه. وبين تحولات التاريخ وأخطاء السياسة، يدفع الاقتصاد العالمي ثمن مرحلة انتقال لم تُدار كما ينبغي مما يجعلها مرحلة بالغة القسوة، ستتحدد نتائجها بقدرة الدول على التكيف، لا بالشعارات التجارية وحدها.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار