أقلام حرة

هل منحت واشنطن الضوء الأخضر لحرب مع إيران؟ قراءة استراتيجية في تصويت مجلس الشيوخ

قرار تشريعي في مجلس الشيوخ الأمريكي يفتح الباب أمام نقاش دستوري حول سلطة الحرب، ويعيد تشكيل معادلات الردع بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط.

أثار التصويت الذي جرى داخل مجلس الشيوخ الأمريكي، وأسقط مشروع قرار يهدف إلى تقييد العمليات العسكرية ضد إيران، نقاشاً سياسياً ودستورياً واسعاً في واشنطن. في الواقع، لا يقتصر تأثير هذا القرار على الإطار البرلماني الداخلي، بل يمتد أيضاً إلى التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط وإلى طبيعة القرار العسكري داخل النظام السياسي الأمريكي.

من ناحية قانونية، استند مشروع القرار إلى قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، وهو التشريع الذي أقره الكونغرس الأمريكي بعد تداعيات حرب فيتنام. وقد هدف هذا القانون إلى ضمان مشاركة المؤسسة التشريعية في قرارات الحرب الكبرى. ومع ذلك، اختار مجلس الشيوخ إسقاط المشروع، الأمر الذي يترك للإدارة الأمريكية مساحة أوسع لاتخاذ قرارات عسكرية سريعة إذا تصاعد التوتر مع إيران.

سياق استراتيجي

تشير تقديرات مراكز الدراسات الدولية، مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وRAND Corporation، إلى أن الولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري كبير في الشرق الأوسط يشمل عشرات القواعد العسكرية ونحو 40 ألف جندي موزعين في المنطقة. ولذلك، فإن أي قرار سياسي في واشنطن قد يترجم سريعاً إلى تحركات عسكرية ميدانية تؤثر في التوازن الأمني الإقليمي.

التوازن الدستوري: سلطة الحرب بين الكونغرس والرئيس

ينص الدستور الأمريكي على توزيع واضح للسلطات العسكرية. فبينما يحتفظ الكونغرس بسلطة إعلان الحرب وتمويلها، يقود الرئيس العمليات العسكرية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. غير أن الممارسة السياسية خلال العقود الماضية أظهرت تحولاً تدريجياً في هذا التوازن.

فعلى سبيل المثال، خاضت الولايات المتحدة عدة حروب دون إعلان حرب رسمي. ثم تعزز هذا الاتجاه بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 عندما وسّعت واشنطن صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

لذلك، يعكس التصويت الأخير استمرار هذا المسار الذي يمنح السلطة التنفيذية قدرة أكبر على اتخاذ القرار العسكري بسرعة، خاصة في الأزمات الدولية.

الرسائل الاستراتيجية إلى إيران

من جهة أخرى، يحمل التصويت رسائل سياسية واضحة إلى طهران. أولاً، يؤكد أن المؤسسة السياسية في واشنطن لا ترغب في تقييد الخيارات العسكرية للإدارة الأمريكية. ثانياً، يعزز سياسة الردع التي تعتمدها الولايات المتحدة في المنطقة.

وتكشف المقارنات العسكرية عن فجوة كبيرة بين الطرفين. إذ يتجاوز الإنفاق العسكري الأمريكي 800 مليار دولار سنوياً، بينما يقدَّر الإنفاق العسكري الإيراني بنحو 25 مليار دولار. ومع ذلك، تعتمد إيران على استراتيجية مختلفة تقوم على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والحرب غير المتكافئة.

قدرات إيران العسكرية

تقدّر تقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن إيران تمتلك واحداً من أكبر برامج الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط، إضافة إلى آلاف الطائرات المسيّرة الهجومية. لذلك، تعتمد طهران على مزيج من الردع الصاروخي والحرب غير المتكافئة لتعويض الفارق الكبير في القدرات العسكرية التقليدية مع الولايات المتحدة.

السيناريوهات المحتملة للتصعيد

1. حرب الظل

أولاً، قد يستمر الصراع ضمن إطار ما يسمى “حرب الظل”. في هذا السيناريو، تنفذ الولايات المتحدة ضربات محدودة ضد أهداف مرتبطة بإيران، بينما تستخدم طهران أدوات غير مباشرة للرد. لذلك يسمح هذا النمط للطرفين بممارسة الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

2. تصعيد إقليمي

ثانياً، قد يتوسع التوتر إذا تجاوزت الضربات المحدودة عتبة الردع. عندها قد تتحول مناطق حساسة مثل مضيق هرمز إلى بؤرة توتر عسكري. وبما أن هذا الممر يشكل شرياناً رئيسياً لتجارة النفط العالمية، فإن أي اضطراب فيه قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة.

3. مواجهة عسكرية مباشرة

أخيراً، يبقى احتمال المواجهة العسكرية المباشرة قائماً، رغم أن معظم الخبراء يرونه أقل السيناريوهات ترجيحاً. ومع ذلك، قد يؤدي خطأ استراتيجي واحد إلى تصعيد يصعب احتواؤه.

خبير الأمن

يقول الخبير الاستراتيجي الأمريكي Anthony H. Cordesman من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية:

“الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لا يعتمد فقط على ميزان القوة العسكرية، بل على قدرة كل طرف على إدارة الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.”

خبير 2

يرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط Kenneth Pollack من Brookings Institution أن:

“المواجهة بين واشنطن وطهران لا تتحرك في خط مستقيم نحو الحرب، بل ضمن سلسلة من الأزمات المتكررة التي تختبر حدود الردع في المنطقة.”

رأي التحرير

ترى هيئة التحرير أن التصويت في مجلس الشيوخ الأمريكي لا يمثل مجرد إجراء تشريعي عابر، بل يعكس تحولاً مستمراً في طبيعة القرار العسكري الأمريكي. فكلما تصاعدت الأزمات الدولية، تميل المؤسسات السياسية في واشنطن إلى منح الرئيس مساحة أوسع لاتخاذ القرارات العسكرية بسرعة.

غير أن هذا الاتجاه يطرح سؤالاً ديمقراطياً أساسياً:

إذا كانت الحرب أخطر قرار تتخذه الدولة، فمن ينبغي أن يملك السلطة النهائية لاتخاذه؟

في النهاية، قد يبدو التصويت الذي جرى في مجلس الشيوخ خطوة صغيرة في السياسة الداخلية الأمريكية، لكنه في الواقع يعكس تحولات أعمق في توازن السلطة داخل الولايات المتحدة وفي معادلات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.

 

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار