لماذا وهبي هو اللذي رد على إسبانيا.. و ليس بوريطة أو بايتاس؟ هل هي رسالة محسوبة أم مجرد اندفاع سياسي؟
في خضم عودة ملف سبتة ومليلية إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، برز سؤال سياسي لافت: لماذا اختار عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، الحديث عن قضية سيادية وحساسة بهذا الحجم، بدل وزير الخارجية ناصر بوريطة، أو الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس؟
السؤال لا يتعلق فقط بمضمون التصريحات، وإنما أيضاً بهندسة الرسائل السياسية ومن يملك حق إيصالها.
وهبي كان قد جدد، في تصريحات متتالية خلال شهر غشت، تمسك المغرب بمطالبته بسبتة ومليلية، قبل أن يقترح إنشاء آلية للحوار مع إسبانيا حول مستقبل المدينتين. مدريد سارعت إلى الرد، مؤكدة أن المدينتين جزء من السيادة الإسبانية، وأن هذا الموقف أُبلغ للمغرب عبر القنوات الدبلوماسية.
بوريطة هو صاحب الاختصاص.. فلماذا غاب؟
من الناحية المؤسساتية والدبلوماسية، يبقى ناصر بوريطة هو المسؤول الأول عن تدبير العلاقات الخارجية للمملكة، وبالتالي فإن أي تصريح صادر عنه بخصوص سبتة ومليلية سيُقرأ بشكل مباشر باعتباره رسالة دبلوماسية رسمية موجهة إلى مدريد،وهنا تحديداً تبرز أهمية اختيار وهبي.
فأن يتحدث وزير العدل عن قضية السيادة لا يعني بالضرورة أن الخارجية المغربية غائبة أو أن هناك تغييراً في الموقف الدبلوماسي الرسمي. بل قد يسمح ذلك بإيصال رسالة سياسية قوية، دون تحويلها تلقائياً إلى مبادرة دبلوماسية رسمية أو إعلان عن فتح مفاوضات مباشرة.
وهذه القراءة سبق أن طُرحت في تحليلات سياسية ربطت بين تصريحات وهبي وبين هامش المناورة الذي يوفره حديث وزير غير مكلف بالخارجية، في وقت يستمر فيه بوريطة في إدارة العلاقة الأوسع مع مدريد.
هل خرج وهبي عن الخط الدبلوماسي المعتاد؟ أم أن تصريحاته كانت محسوبة؟
المعطيات المتوفرة لا تسمح بالجزم بأن الأمر يتعلق بـ”سبق لسان”، خصوصاً أن وهبي كرر مواقفه أكثر من مرة، ولم يقتصر الأمر على تصريح عابر. كما أن حديثه عن سبتة ومليلية جاء في سياق أزمة مرتبطة بالهجرة، والقاصرين المغاربة، والوفيات التي وقعت خلال عمليات العبور الأخيرة.
لكن في المقابل، لا توجد إلى حدود الآن معطيات رسمية تثبت أن وهبي كان مكلفاً بشكل معلن بإطلاق مبادرة دبلوماسية جديدة مع مدريد.
ربما الرسالة ليست لإسبانيا وحدها
القراءة الأوسع قد تكون أن الرسالة موجهة إلى ثلاث جهات في الوقت نفسه.
أولاً، إلى إسبانيا:
أن التقارب المغربي الإسباني، مهما بلغ مستواه، لا يعني أن الرباط تخلت عن موقفها التاريخي من سبتة ومليلية.
ثانياً، إلى الداخل المغربي:
أن ملف المدينتين لم يُغلق، وأن الحديث عن الشراكة مع مدريد لا يلغي قضية السيادة الوطنية.
وثالثاً، إلى الرأي العام الدولي:
إعادة وضع القضية على الطاولة، ولكن بلغة الحوار والنفس الطويل، وليس بلغة التصعيد أو المواجهة.
وهذه النقطة مهمة جداً، لأن وهبي نفسه تحدث عن الحوار وضرورة البحث عن صيغة لمعالجة الملف، وهو ما يجعل خطابه مختلفاً عن إعلان مواجهة دبلوماسية مباشرة.
وماذا عن بايتاس؟
الناطق الرسمي باسم الحكومة، وظيفته الأساسية هي شرح وتقديم الموقف الحكومي في الملفات التي تهم الحكومة، وليس بالضرورة أن يكون هو صاحب الرسائل المتعلقة بالقضايا الدبلوماسية الحساسة، لذلك، غياب بايتاس عن هذا الملف ليس مفاجئاً بالضرورة.
لكن اللافت فعلاً هو غياب بوريطة عن الواجهة الإعلامية في اللحظة التي أعيد فيها فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.
هل نحن أمام توزيع أدوار؟
ربما تكون المسألة أبسط من ذلك: وهبي كان يتحدث في ملفات مرتبطة باختصاصه المباشر، خصوصاً القاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا، والهجرة، والبعد القانوني والإنساني للملف، ثم انتقل خطابه إلى قضية السيادة.
لكن استمرار التصريحات وتطورها إلى اقتراح إنشاء آلية للحوار يجعل من المشروع طرح السؤال: هل كان وهبي يعبر فقط عن موقف شخصي وسياسي، أم أن تصريحاته كانت جزءاً من مساحة محسوبة لإعادة تذكير مدريد بأن ملف سبتة ومليلية لم يُدفن؟
هل التقطت مدريد الرسالة؟
الخارجية الإسبانية ردت بشكل مباشر على وهبي، مؤكدة أن سبتة ومليلية جزء من السيادة الإسبانية، ورفضت بشكل قاطع أي طرح مغاير، معتبرة أن موقفها أُبلغ للمغرب عبر القنوات الدبلوماسية.
وهنا تظهر المفارقة: تصريح صدر عن وزير العدل انتهى برد من وزارة الخارجية الإسبانية، وهذا وحده كافٍ لطرح علامات استفهام حول طبيعة الرسالة التي حملتها تصريحات وهبي.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: ” لماذا وهبي و ليس بوريطة؟”
بل ربما السؤال الأهم هو: هل أرادت الرباط أن تتحدث مع مدريد بصوت سياسي غير صوت الدبلوماسية الرسمية، لتقول إن الشراكة الاستراتيجية مستمرة، لكن ملف سبتة ومليلية لم يغلق؟
الجواب ستكشفه التطورات المقبلة، خصوصاً إذا انتقل الملف من التصريحات السياسية إلى مبادرات أو تحركات دبلوماسية رسمية، أما إلى حدود الساعة، فالأرجح أن وهبي فتح الباب للنقاش، بينما تظل مفاتيح الدبلوماسية الرسمية في يد بوريطة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار