الأحزاب المغربية تحت المجهر

اختبار المعارضة داخل البرلمان.. تصويت يكشف تناقضات المواقف ويضع مصداقية بعض الأحزاب على المحك

أعاد التصويت الذي شهدته جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب، أمس، طرح أسئلة سياسية حول مدى انسجام مواقف بعض الأحزاب التي اختارت الاصطفاف في المعارضة، بعدما لم تدعم مرشح المعارضة إدريس الأزمي الإدريسي، الذي نافس مرشح حزب الأصالة والمعاصرة، المنتمي إلى الأغلبية الحكومية.

ورغم أن نتيجة التصويت كانت تبدو محسومة سلفاً، فإن ترشيح حزب العدالة والتنمية لإدريس الأزمي حمل، وفق قراءة سياسية لهذا المشهد، أبعاداً تتجاوز مجرد المنافسة على منصب داخل المؤسسة التشريعية، ليشكل اختباراً لمدى استعداد الأحزاب المصنفة ضمن المعارضة للتنسيق فيما بينها في مواجهة مرشح الأغلبية.

وقد سلطت هذه المحطة الضوء على التباين بين الخطاب السياسي لبعض الأحزاب ومواقفها العملية داخل البرلمان، خصوصاً أن عدداً منها يوجه انتقادات متكررة إلى الأغلبية الحكومية، لكنه لم يصطف إلى جانب مرشح المعارضة في هذا الاستحقاق.

وشمل النقاش موقفي حزب التجمع الوطني للأحرار وتحالف اليسار، اللذين لم يدعما مرشح حزب العدالة والتنمية، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين مكونات المعارضة، وحدود التنسيق السياسي بينها، ومدى قدرتها على بلورة موقف مشترك في القضايا التي تجمعها.

وتبرز المفارقة عندما ترفع بعض الأحزاب سقف انتقاداتها للأغلبية في الخطاب السياسي، بينما تتباين اختياراتها عند لحظة التصويت. فهل يتعلق الأمر باختلاف مشروع في التقدير السياسي، أم بغياب أرضية مشتركة قادرة على تحويل المعارضة من مجرد موقع داخل البرلمان إلى ممارسة سياسية منسجمة؟

إن المعارضة لا تُقاس فقط بالمقاعد التي يشغلها ممثلو الأحزاب، ولا بالتصريحات المنتقدة للحكومة، بل كذلك بوضوح المواقف، والقدرة على التنسيق، وتقديم بدائل سياسية مقنعة للرأي العام. وفي المقابل، فإن الاختلاف في التصويت يظل حقاً سياسياً مشروعاً، لكنه يضع الأحزاب أمام مسؤولية توضيح اختياراتها للرأي العام.

وفي خضم هذه التجاذبات، يسعى حزب العدالة والتنمية إلى تقديم موقفه باعتباره تعبيراً عن التزام سياسي بمبادئه وخياراته، مستنداً إلى ترشيح إدريس الأزمي رغم صعوبة المنافسة. ويرى أنصاره في هذه الخطوة دليلاً على التمسك بالموقف السياسي، وعدم التراجع عن خوض الاستحقاقات حتى عندما تبدو النتائج محسومة.

الخلاصة: لم يكن هذا التصويت مجرد منافسة على منصب برلماني، بل محطة كشفت حجم التباينات داخل صفوف المعارضة، وأعادت إلى الواجهة سؤال المصداقية السياسية والانسجام بين الخطاب والممارسة. فالمعارضة الحقيقية لا تُختبر فقط في التصريحات، وإنما أيضاً في المواقف التي تتخذها عند لحظات الحسم.

وبين اختلاف التقديرات وتباين الاصطفافات، يبقى الحكم النهائي للرأي العام، الذي ينتظر من الأحزاب مواقف واضحة ومسؤولة تنسجم مع اختياراتها المعلنة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار