أقلام حرة

جيرالد دارمانان يزور نيكولا ساركوزي في سجن “لا سانتي”: بين العاطفة ومبدأ استقلال القضاء

حيث تتقاطع السياسة مع القضاء كما تتقاطع الظلال مع الضوء، لا تمرّ الزيارات الرسمية مرور الكرام، خصوصًا حين يكون الزائر وزير العدل والمزار زنزانة رئيسٍ سابق للجمهورية. ففي مساء يوم خريفي هادئ من أكتوبر 2025 بفرنسا، قام جيرالد دارمانان، وزير العدل الفرنسي، بزيارة نيكولا ساركوزي في سجن «لا سانتي» بالعاصمة باريس. زيارةٌ حملت في ظاهرها طابعًا إنسانيًا، لكنها سرعان ما تحولت إلى عاصفة من التساؤلات حول حدود اللياقة السياسية، ومفهوم استقلال القضاء في الجمهورية الخامسة.

لقد بدا المشهد محمّلًا برمزية تتجاوز مجرد لقاء إنساني بين رجلين جمعتهما الحياة السياسية؛ إذ لامس جوهر التوازن الدقيق بين العاطفة والمؤسسة، وبين الوفاء الشخصي والواجب الجمهوري، في بلدٍ يفاخر بصرامة قانونه وعدالة مؤسساته.

كما كان متوقعًا، لم تمرّ الزيارة دون ردود فعل قوية. فقد اعتبرها عدد من المراقبين سلوكًا رمزيًا يُضعف صورة العدالة ويطرح تساؤلات حول استقلال السلطة القضائية. وأكد مصدر مقرب من وزارة العدل أن اللقاء تمّ في حضور مدير المؤسسة السجنية، واستمر حوالي خمسٍ وأربعين دقيقة، بين الساعة السابعة والسابعة وخمسٍ وأربعين مساءً، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

لكن هذه الخطوة لم تلقَ الإجماع داخل الأوساط القانونية والسياسية. فقد انتقد رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض، ريمي هيتز، وهو أحد أبرز وجوه المؤسسة القضائية الفرنسية، الزيارة واعتبرها تشكل “خطرًا على حياد القضاء وسكينته”، مشيرًا إلى أن “أي تداخل بين السياسي والقضائي من شأنه أن يضعف ثقة المواطنين في العدالة”.

أما اليسار الفرنسي، فوجد في هذه الواقعة فرصة جديدة لتجديد انتقاده لما وصفه بـ “ازدواجية المعايير”، مشيرًا إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه كان قد استقبل نيكولا ساركوزي في قصر الإليزيه قبل أيام قليلة من سجنه، في لقاء أثار بدوره استغرابًا واسعًا. وردّ ماكرون حينها بالقول إن “اللقاء كان إنسانيًا بحتًا”، مؤكدًا تمسكه “باستقلال السلطة القضائية” وأن “العلاقات الشخصية لا يمكن أن تتجاوز القانون”.

في المقابل، يرى بعض المحللين أن ما يقوم به دارمانان لا يمكن فصله عن حسابات سياسية دقيقة، إذ يسعى الرجل، الذي يطمح إلى خلافة ماكرون يومًا ما، إلى الظهور بمظهر السياسي القادر على الجمع بين الصرامة القانونية والوفاء الإنساني. وهي معادلة حساسة في سياق فرنسي مأزوم، يزداد فيه تآكل الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وفي العمق، تضع هذه الحادثة فرنسا أمام سؤال قديم جديد: هل يمكن للنظام الديمقراطي أن يظل وفيًا لروح العدالة حين يتقاطع القانون مع السياسة والعاطفة مع المصلحة؟

ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الجمهورية الخامسة، بين صرامة المؤسسات ودفء العلاقات الإنسانية، وبين صورة العدالة كحارسة للقانون وصورة الدولة ككائن بشري يعرف معنى الوفاء.

في نهاية المطاف، لم تكن زيارة جيرالد دارمانان إلى نيكولا ساركوزي مجرد حدثٍ بروتوكولي عابر، بل لحظةً كاشفة عن هشاشة الخط الفاصل بين الدولة ككيان مؤسساتي والسياسة كفن للممكن. ففي فرنسا، حيث يُقدَّس مبدأ فصل السلطات، تأتي مثل هذه المبادرات لتُظهر أن العاطفة لا تزال قادرة على التسلل إلى دهاليز السلطة، وأن الإنسان مهما علا منصبه يظل أسيرًا لعلاقاته ورموزه وتاريخه الشخصي.

ومهما يكن من تأويلات، فإن ما جرى في “لا سانتي” يذكّر الفرنسيين والعالم بأن الديمقراطية ليست حصنًا منيعًا، بل بناء هشّ يتطلب يقظة دائمة كي لا تتحول العدالة من مبدأ إلى مجاملة، ومن سلطة إلى شعور.

 

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار