أقلام حرة

بين الواقعية المغربية والمأزق الجزائري: جغرافيا السياسة وحدود المستقبل

حين تختار الدول الواقعية على الشعارات، تصنع التاريخ بدل أن تكتبه.

في منطقةٍ تعجّ بالتحوّلات الجيوسياسية، تظلّ العلاقات المغربية-الجزائرية من أكثر الملفات تعقيدًا في شمال إفريقيا. ليست القضية مجرّد حدودٍ جغرافية أو خلافاتٍ سياسية، بل صراعٌ بين مشروعين متناقضين: مشروع مغربي يؤمن بالاستقرار، والتكامل، والانفتاح، في مقابل نهجٍ جزائري يقوم على الريبة والانعزال والتوجّس التاريخي.

المغرب: الدولة التي اختارت منطق الدولة لا منطق الثورة

منذ لحظة استقلال الجزائر في ستينيات القرن الماضي، كان المغرب من أوائل الداعمين لهذا التحرر، سياسيًا ولوجستيًا. فقد احتضنت الرباط شخصيات من جبهة التحرير الوطني، ووفّرت السلاح والدعم الدبلوماسي. كما قال المؤرخ المغربي عبد الهادي التازي في مذكراته:

«لم تكن قضية الجزائر بالنسبة للمغرب نزاعًا حدوديًا، بل واجبًا أخلاقيًا وتاريخيًا تجاه شعبٍ شقيق خرج من محنة الاستعمار».

غير أن هذا الدعم لم يُترجم إلى علاقة ندّية متوازنة؛ فبعد الاستقلال، تغيّر الموقف الجزائري سريعًا. حين طرح المغرب مسألة ترسيم الحدود الاستعمارية، تعاملت الجزائر مع المطلب كأنه «تهديد للثورة» لا كمناقشة قانونية. وهنا نشأت أول بذور سوء الفهم العميق بين البلدين.

ففي حين تبنّى المغرب سياسة «الواقعية التاريخية» — أي احترام التوازن بين الإرث الاستعماري والحقوق التاريخية — تبنّت الجزائر خطابًا ثورياً جامداً يعتبر كلّ مراجعة «مساسًا بالسيادة». ومع مرور الوقت، تحوّل هذا التباين في المرجعية إلى مصدر دائم للتوتّر.

الحدود: الجرح المفتوح الذي لم يلتئم

حرب الرمال سنة 1963 مثّلت اللحظة المفصلية التي كشفت الفارق بين الخطابين. المغرب، وفق الوثائق الدبلوماسية الأمريكية المنشورة لاحقًا، حاول تجنّب التصعيد العسكري عبر وساطة إفريقية، بينما أصرّت الجزائر على خيار المواجهة.

الرباط كانت تنظر إلى النزاع كـ«مسألة حدود قابلة للتسوية»، بينما رأت الجزائر فيه «محاولة للهيمنة».

أحد التقارير الصادرة عن مركز الدراسات الإفريقية في جامعة لندن سنة 1975 لخّص الوضع بقوله:

«المغرب تَصرّف كدولة تسعى لترسيخ الاستقرار الحدودي، بينما تعاملت الجزائر بعقلية الحركة الثورية التي تخشى كل ما يشبه التفاهم الدائم».

منذ ذلك الحين، لم تُغلق الحدود سياسيًا فقط، بل نفسيًا أيضًا. فالجزائر بنت رواية رسمية تعتبر المغرب خصمًا دائمًا، بينما اختار المغرب خطاب الأخوّة وضبط النفس. ولعلّ العبارات الملكية التي تتكرّر في خطب جلالة الملك محمد السادس تعبّر عن ذلك الاتجاه الأخلاقي الثابت:

«نعتبر أمن الجزائر واستقرارها جزءًا لا يتجزأ من أمن المغرب واستقراره».

قضية الصحراء: امتداد لسوء الفهم نفسه

قضية الصحراء لم تخلق الأزمة المغربية-الجزائرية؛ بل كانت نتيجة منطقٍ سابقٍ يقوم على الارتياب من نيات المغرب. فبينما ترى الرباط أنّ الصحراء جزء من سيادتها التاريخية وتطرح مبادرة الحكم الذاتي كحلّ واقعي يحظى بدعم دولي متزايد، تستمر الجزائر في دعم أطروحات الانفصال، متجاهلة التحوّل الكبير في مواقف مجلس الأمن منذ عقدين.

المفارقة أنّ الجزائر تتبنّى خطاب «حق الشعوب في تقرير المصير» بينما تغلق حدودها أمام أبسط صور التواصل الإنساني مع الشعب المغربي. وكما كتب أحد الباحثين في Carnegie Endowment سنة 2022:

«إنّ التناقض بين خطاب الجزائر التحرّري وسلوكها الإقليمي يجعلها عاجزة عن صياغة رؤية مغاربية مشتركة».

الرهانات الراهنة: بين الواقعية المغربية والعزلة الجزائرية

في العقد الأخير، برز المغرب كقوة إقليمية صاعدة في إفريقيا والعالم العربي، بفضل سياسة خارجية متوازنة وتحالفات اقتصادية ودبلوماسية واسعة — من العمق الإفريقي إلى الخليج، ومن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي إلى عودته إلى الاتحاد الإفريقي.

في المقابل، تعيش الجزائر مفارقة مزدوجة: وفرة مالية من عائدات الغاز، يقابلها انكماش سياسي وتراجع في جاذبية النموذج الثوري القديم. بينما تبني الرباط جسور التعاون مع قوى دولية جديدة، تُصرّ الجزائر على خطابٍ يقوم على «نظرية المؤامرة الإقليمية».

إنّ الصمت المغربي أمام الحملات العدائية لم يكن ضعفًا، بل اختيارًا استراتيجيًا محسوبًا. كما يقول أحد المحللين الأمريكيين في مركز Atlantic Council:

«المغرب يفكّر كدولة، بينما الجزائر تتصرّف كحركة».

المعطى الاقتصادي في ميزان التوتر

من بين كلّ الخسائر التي أفرزها الجمود المغربي-الجزائري، تبقى الخسائر الاقتصادية الأكثر وضوحًا. فإغلاق الحدود منذ سنة 1994 كلّف اقتصاد البلدين — وفق تقديرات البنك الإفريقي للتنمية — ما بين 2 و3٪ من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا.

تشير دراسات Oxford Economics إلى أنّ فتح الحدود يمكن أن يرفع حجم المبادلات التجارية الثنائية إلى نحو 3 مليارات دولار سنويًا خلال خمس سنوات، ويخلق ما يقارب 100 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في مجالات النقل والخدمات والسياحة.

المغرب، رغم ذلك، استثمر في البنية التحتية بالجهة الشرقية — من ميناء الناظور المتوسطي إلى المنطقة الحرة بوجدة — في ما يمكن اعتباره رهانًا على المستقبل، تحسّبًا لأيّ انفتاح محتمل. أما الجزائر، فقد وجّهت استثماراتها نحو تطوير بدائل داخلية معزولة، في مقاربة توصف بأنها «اقتصاد محصَّن بالخوف».

كما يوضح تقرير صادر عن African Policy Review سنة 2024:

«كل يوم تستمر فيه القطيعة بين الرباط والجزائر هو خسارة مضاعفة: للمغرب ديناميكيته التجارية، وللجزائر طاقتها البشرية، وللمنطقة المغاربية فرصتها التاريخية في التكامل».

بهذا المعنى، ليست الأزمة سياسية فحسب، بل تنموية أيضًا، حيث يدفع المواطن البسيط ثمن الحسابات الضيقة.

رأي التحرير

ترى هيئة التحرير أنّ المغرب أدار خلافه مع الجزائر بمنطق الدولة الحديثة، مستندًا إلى ثقة بالنفس وشرعية تاريخية ودبلوماسية متوازنة، فيما اختارت الجزائر الجمود بدل الحوار، والعزلة بدل التكامل.

إنّ استمرار القطيعة لا يخدم أيًّا من الشعبين، لكنه يُضعف البنية المغاربية برمّتها، ويمنح القوى الخارجية مزيدًا من النفوذ في منطقة تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى وحدة الموقف والرؤية.

وعليه، تؤكد هيئة التحرير أن الخطوة الأولى نحو الاستقرار تبدأ من الجزائر، بالاعتراف بأنّ المغرب لم يكن يومًا خصمًا، بل كان دومًا درعًا حقيقيًا لاستقلال الجزائر ووحدتها، وأنّ التاريخ — لا الدعاية — هو الشاهد الأصدق على ذلك.

المراجع

1. عبد الهادي التازي، رحلة في الذاكرة المغربية-الجزائرية، الدار البيضاء، 1998.

2. The African Studies Journal, University of London, Issue 12, 1975.

3. Carnegie Endowment for International Peace, Report on North African Regional Dynamics, 2022.

4. Atlantic Council, “Morocco Thinks Like a State,” Policy Brief, 2023.

5. Oxford Economics, “Economic Impact of Maghreb Integration,” 2023.

6. African Policy Review, “Closed Borders, Open Costs,” 2024.

7. خطب الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش، 2021 و2022.

8.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار