أخبار وطنية

قراءة تحليلية نقدية لكتاب: “الجغرافيا السياسية: مع تطبيقات جيوبوليتيكية استشرافية عن الوطن العربي”

 

قراءة تحليلية نقدية عالية المستوى لكتاب

“الجغرافيا السياسية: مع تطبيقات جيوبوليتيكية استشرافية عن الوطن العربي”

صبري فارس الهيتي

“من لا يملك القدرة على قراءة الجغرافيا، سيُرغم على العيش داخل خرائط الآخرين.” – زبيغنيو بريجنسكي

في عالمٍ تتغير فيه خرائط القوة بسرعة، يظهر كتاب صبري فارس الهيتي كعمل جريء. الكتاب يضع الجغرافيا السياسية العربية في قلب التحليل الاستراتيجي. لا يقدّم الكتاب الجغرافيا كمعطى مادي فحسب، بل كأداة لفهم التاريخ وصنع القوة. ومع ذلك، تكشف هذه الجرأة عن بعض الفجوات المفهومية والمنهجية. هذه الفجوات تحد من قدرة الكتاب على بلوغ مستوى الأعمال الجيوبوليتيكية العالمية.

1. بين راتزل ودولوز: الجغرافيا ككائن حي أم كتمثيل للسلطة؟

يفتتح الهيتي كتابه بتمييز مهم بين الجغرافيا السياسية كعلم وصفي والجيوبوليتيك كفنّ استشرافي يقرأ المستقبل. هذا التمييز يذكّرنا بمساهمات تشيلن وراتزل. لكنه يبقى محصوراً في المدرسة الوضعية. لم يدخل في الرؤى النقدية الحديثة التي قدمها فوكو ودولوز وغاتاري. هؤلاء رأوا أن الجغرافيا تُنتج السلطة وليست محايدة.

هناك تحدٍّ منهجي آخر. يتعامل الهيتي مع “الموقع”، “الحدود”، و”المجال الحيوي” كحقائق طبيعية. الواقع يختلف، فهي بناء أيديولوجي كما أشار إدوارد سعيد وديريك غريغوري. على سبيل المثال، أصبح الخليج “استراتيجياً” نتيجة النفط والتحكم بخطوط الإمداد. هذا ليس طبيعياً. بذلك، يعيد الكتاب إنتاج خطاب الجيوبوليتيك التقليدي دون مساءلة جذوره.

2. الاستشراف الجيوسياسي: الدولة القومية وما بعد السيادة

يتقن الهيتي رسم سيناريوهات مستقبلية تشمل: أزمات المياه في حوض النيل، تحولات قوة المغرب العربي في الفضاء الأورومتوسطي، وصراع النفوذ في الهلال التركي–الإيراني–الإسرائيلي. ومع ذلك، يظل استشرافه أسير المركزية الدولتية. يغفل نتائج ساسكيا ساسن حول تفتت السلطة بين المدن العالمية، الشبكات الرقمية، والشركات العابرة للقارات.

أيضاً، يغفل الكتاب التساؤل عن مفهوم “العرب” نفسه. كان يمكن أن يُغني التحليل لو استند إلى أعمال أميالي مصطفى أو أزيز العروي حول التعددية والانتماءات المتصادمة.

3. إعادة توطين الجيوبوليتيك في السياق العربي

يبرز في الكتاب إنجاز مهم: توطين النظرية الجيوبوليتيكية في الفضاء العربي. هذا بعيد عن النسخ الأعمى لمساهمات ماكيندر وسبايكمن. يعيد الهيتي الاعتبار لدور البنى الاجتماعية، الهشاشة المؤسسية، والتفاوت بين المركز والهوامش. كما تتخلل بعض تحليلاته ملامح الجيوبوليتيك النسوي. يربط تدمير البنية التحتية بانهيار الحماية الاجتماعية. هذا في إشارة إلى قراءات سينثيا إنلو.

4. سيناريوهات مستقبلية للعقدين المقبلين

أ. سيناريو “تفكك الحزام الهش” (2030–2040)

يعتمد السيناريو على ارتفاع معدلات الاستقطاب المناخي وفق البنك الدولي. كما يشمل توسع الاقتصادات غير الرسمية العابرة للحدود وتراجع الدعم الخارجي للنظم الهشة. النتيجة: ظهور “كانتونات جيوسياسية” تدير موارد محددة بعيداً عن العواصم الرسمية.

ب. سيناريو “استقطاب مغاربي–مشرقي” (2035–2050)

يتجه المغرب العربي نحو تعميق التكامل مع جنوب أوروبا. بينما يشهد المشرق تراجعاً في القدرة السياسية والاقتصادية. تشمل المعطيات: سيطرة المغرب والجزائر وتونس على 78% من إمكانات الطاقة المتجددة، انخفاض نسبة الشباب في دول الخليج، وزيادة الاستثمارات الأوروبية. النتيجة: تشكّل “فضاء مغاربي–أوروبي” غير رسمي بينما يتحول المشرق إلى منطقة إدارة أزمات.

ج. سيناريو “التحالفات القسرية المناخية”

مع تفاقم الجفاف في حوض النيل والفرات، قد تضطر دول مثل مصر وإثيوبيا أو العراق وتركيا لتشكيل تحالفات مائية قسرية. هذا ينسجم مع تصنيف معهد الموارد العالمية للدول العربية ضمن “منطقة الخطر الأحمر” للمياه.

5. خلاصة نقدية: أهمية الكتاب وحدوده

يمتلك كتاب الهيتي جرأة معرفية نادرة. لكنه يبقى بين طموح فكري كبير لبناء جيوبوليتيك عربي مستقل وحدود منهجية تمنعه من الوصول لمستوى الكلاسيكيات العالمية. المقالة كانت لتزداد قوة لو دمجت نقد ما بعد الكولونيالية، الفاعلين غير الدولتيين، المقارنات الدولية، وأصوات المهمشين.

رأي هيئة التحرير

ترى هيئة التحرير أن كتاب صبري فارس الهيتي يمثل وثيقة استراتيجية نادرة. فهو يربط بين الجغرافيا والزمن ويحوّل الفضاء إلى سردية مستقبلية قابلة للقياس. ثلاثة تحديات تظل قائمة: التمركز حول الدولة-القومية، إغفال البعد الأخلاقي، وضعف المقارنات العالمية.

التوصية: قراءة الكتاب ليست نصاً نظرياً مغلقاً، بل خارطة أولى لحوار عربي استراتيجي. فالخرائط تحدد من يملك القلم، لكن المستقبل يُصنع بالخيال السياسي.

 

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار