أخبار وطنية

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة:  ملامح تحوّل عالمي يعيد رسم قواعد النفوذ

 

في ليلة الخميس الماضية، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي، وهي وثيقةٌ حظيت بترقّب واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها، في نظري، ليس لأنها مجرد تحديث دوري للسياسات الأمريكية، بل لأنها تجسّد انتقالاً فكرياً وسياسياً مهما في فهم واشنطن لدورها في العالم. هذه الاستراتيجية ليست مجرد خطة عسكرية أو سياسية، بل خطاب ايديولوجي جديد يعيد ترتيب أولويات امريكا كما يؤكد العديد من الباحثين الأمريكيين مثل ريتشارد هاس وفريد زكريا، فهي محاولة لتحديد ما تريد امريكا فعله على الساحة العالمية الآن.

تقوم الاستراتيجية على 3 محاور رئيسية: امريكا اولاً، خطاب الهوية، واخيراً اعادة تقسيم العالم.

أولاً: فلسفة “أمريكا أولاً” بين القوة والانكفاء!

تبدأ الوثيقة بمقدمة يعلن فيها ترامب أن الهدف الأساسي هو ضمان بقاء الولايات المتحدة “أعظم دولة في التاريخ البشري”. لكن المفارقة، كما يلاحظ المحلل الأمريكي ستيفن والت، تكمن في أن الوثيقة تهاجم النظام العالمي الذي أسسته واشنطن بنفسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. بمعنى ان هذه الاستراتيجية ،في نظري، تريد امريكا قوية ورائدة، لكنها في الوقت نفسه تطالب بتقليص أدوارها العالمية، خاصة تلك التي لا ترتبط مباشرة بالمصالح الوطنية.

المحلل الأمريكي ستيفن والت وصف هذا التوجه بانه يشير إلى نوع من ما يسمى في ادبيات الجيوبوليتيك بالانعزالية الهجومية، أي ان أمريكا لا تنسحب تماماً، لكنها تغيّر قواعد اللعبة بما يخدم مصالحها اولاً واخيراً. هذا التحول الجديد في نظري،  يريد الولايات المتحدة الاحتفاظ بقوتها، دون الاستمرار في دفع ثمن قيادتها للنظام الدولي.

أما المفكر السياسي فريد زكريا فيرى أن الوثيقة تمثل “خروجاً صريحاً” من حقبة ما بعد الحرب الباردة، حيث كانت واشنطن تسعى لقيادة العالم عبر التحالفات والمؤسسات الدولية في مختلف بقاع العالم.

ثانياً: نقد النخب الأمريكية وتبني خطاب الهوية!

الاستراتيجية تنتقد الإدارات الأمريكية السابقة بشقيها الجمهوري والديمقراطي، متهمةً إياها بإرهاق الولايات المتحدة بتدخلات مكلفة لم تخدم مصالح المواطن الأمريكي.  تتضمن الوثيقة لغة غير مسبوقة تربط الأمن القومي بالهوية الثقافية والحضارية، فتتحدث عن مخاطر محو الحضارة الغربية، وانهيار الأسرة التقليدية، وتراجع معدلات الولادة في الغرب. ويصف الباحث صامويل موين هذا الجزء بأنه “قومية ثقافية مغلّفة بلغة الأمن القومي”.

ان نقل هذا الخطاب إلى مستوى ثقافي–اجتماعي جديد، يشكل في نظري-أي ربط الأمن القومي بالهوية والثقافة وليس بالقوة العسكرية فقط-توجها جديدا في لغة الدولة حيث يلامس لغة القوميين البيض في الداخل، وهو ما لم تجرؤ أي إدارة سابقة على صياغته بهذا الوضوح.

ثالثاً: إعادة تقسيم العالم ورسم النفوذ من جديد!

تقسم الاستراتيجية العالم إلى خمس مناطق تعتبرها واشنطن مجالها الاستراتيجي الأساسي: نصف الكرة الغربي، آسيا، أوروبا، الشرق الأوسط، وأفريقيا. وفي كل منطقة تظهر ملامح جديدة لرؤية ترامب الاستراتيجية.

1. نصف الكرة الغربي: عودة مبدأ مونرو!

تشدد الوثيقة على أن واشنطن قد تنسحب من العالم، لكنها لن تنسحب من محيطها المباشر في الأمريكتين. ووفق محللين أمريكيين، فإن هذا يمثل عودة صريحة لمبدأ مونرو بصيغة معاصرة. إن هذا الإحياء العلني لمبدأ مونرو يعبّر عما يشبه بالحمائية المسلحة، هدفها الأساسي وقف الهجرة، محاربة المخدرات، مواجهة النفوذ الصيني المتزايد، وإعادة تموضع القوات العسكرية. كما  أن هذا النهج يؤسس لـجغرافية استراتيجية جديدة تحكم واشنطن من خلالها فضاءها القريب فقط. وهنا تقدم الاستراتيجية ما تسميه “التسوية الكبرى”مع محيط الولايات المتحدة المباشر، مؤكدة أن أمريكا يمكن أن تنسحب من العالم كله لكنها لن تخرج من مجال نفوذها التقليدي في الأمريكتين. إنه تصور ضيق للعالم، لكنه يعكس وفقاً لخبير العلاقات الدولية John Joseph Mearsheimer لعودة السياسة الواقعية بأكثر أشكالها فجاجة.

2. آسيا: احتواء الصين وإعادة تشكيل النظام الاقتصادي!

تعدّ آسيا قلب الاستراتيجية الجديدة، حيث تظهر الصين كمنافس استراتيجي أول وهي محور الأهداف الرئيسي في اسيا حيث تشدد الوثيقة على ركيزتين: إعادة التوازن الاقتصادي عبر سياسات تجارية تقيّد نفوذ الصين، وثانيا الردع العسكري عبر تعزيز التحالفات التقليدية وزيادة الإنفاق الدفاعي للحلفاء هناك. كما تقترح واشنطن توجيه الفوائض المالية الهائلة لدى اليابان وكوريا نحو مشاريع تخدم المصالح الأمريكية مباشرة وتضيق الخناق على الصين في نفس الآن. وهذا ما اقر به سابقا Graham Allison مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق، الذي يرى أن استراتيجية ترامب تهدف إلى “منع لحظة تفوّق صيني محتملة” أي ان هذه الاستراتيجية في تقديري، لا تهدف فقط لاحتواء الصين، بل تخطط لهدم أو تغيير النظام العالمي السائد الذي افرز ميكانيزمات مكنت الصين من التقدم الهائل واولها النظام التجاري الدولي وطرقه ومفاصله عبر التحكم في الممرات المائية والمضايق وحجب التكنولوجيا العالية من الوصول إلى الايادي الصينية ( انفيذيا مؤخرًا كمثال).

3. أوروبا: دعم اليمين القومي وتراجع دور الناتو!

تظهر الوثيقة رؤية نقدية واضحة تصل إلى مستوى العداء تجاه أوروبا أي الحلفاء التقليديين لأمريكا منذ الحرب العالمية الثانية. فهي تحذّر من “محو الحضارة الأوروبية” وتنتقد سياسات الهجرة، وتدعم بشكل غير مباشر التيارات اليمينية في أوروبا. وهو ما يضعها في نظري – أي الوثيقة- في تماس مع النظرة الأوراسية التي تقترب بشكل ملحوظ من الخطاب الروسي حول حدود توسع الناتو والتي معناها في شكلها المبسط أن حلف الناتو هو تحالف يمكنه التوسع كيفماشاء لكن  بلا حدود جغرافية إضافية. الصحفية والمراسلة الحربية ان لوري بونيل Anne-Laure Bonnel ترى أن “ترامب كان أول رئيس  أمريكي يدعم صعود اليمين الشعبوي في أوروبا بشكل مباشر. أما المحلل السياسي الأمريكي من اصل هنغاري جورج فريدمان George Friedman

‏‎فيصف هذا النهج بأنه محاولة “لإعادة تشكيل القارة من الخارج”. وهذا بالفعل ما تلمح له الوثيقة، حيث يتوجب ولو بصفة ضمنية دعم الحركات القومية اليمينية في أوروبا، معتبرة إياها “أحزاباً وطنية” تسهم في تصحيح المسار الأوروبي المنهار.

4. الشرق الأوسط: نهاية الهيمنة وبداية الشراكات!

ترى الوثيقة أن زمن انشغال واشنطن اليومي بالشرق الأوسط قد انتهى، وأن المنطقة لم تعد مصدراً لتهديد مستمر. وتدعو إلى التخلي عن فرض الديمقراطية على الدول واحترام الخصوصيات وبناء شراكات قائمة على الاستثمار والتكنولوجيا، كذلك اعتبار دول الخليج محوراً رئيسيا في مشاريع الذكاء الاصطناعي. اضافة إلى تقييم الصراعات الإقليمية بأنها أقل خطورة مما يُصوّره الإعلام خاصة الإعلام الأمريكي والأوروبي. فإضعاف ايران واذرعها الميليشاوية في المنطقة كان مقدمة للحديث عن “سلام اكثر ديمومة “بين الفلسطينيين والإسرائليين. ويصف روبرت مالي Robert Malley المحامي والمحلل السياسي الأمريكي، هذا التوجه بأنه أول اعتراف رسمي بأن الشرق الأوسط ليس محور السياسة الأمريكية كما كان منذ عقود من الزمن. وهذه في نظري، أول وثيقة أمريكية على الإطلاق ترى الشرق الأوسط ليس تهديداً للأمن القومي الأمريكي بل فرصة اقتصادية واعدة.

5. أفريقيا: من المساعدات إلى الاستثمار!

تمنح الاستراتيجية القارة الأفريقية مساحة محدودة، فقرتين يتيمتين،لكنها تعكس تحولاً استراتيجيا ملحوظا ومهما  تبحث عن الاستثمار والربحية وليس المساعدات والحروب. وتُعطي الأولوية لقطاعات: الطاقة، المعادن الحرجة، وفتح الأسواق الجديدة ، والاهم منع التورط العسكري طويل الأمد.

وهي رؤية وصفها الكثيرون بأنها تشبه  العقلية التي تدار بها الشركات الاستثمارية وليست العقلية التي تدير دولا حديثة خاصة من حجم الولايات المتحدة الأمريكية.

كخلاصة، تمثل استراتيجية ترامب هذه،كما يصفها المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما Francis Yoshihiro Fukuyama، انتقالاً من “أمريكا المهيمِنة” إلى “أمريكا الحصينة”. إنها أمريكا التي تريد أن تبقى الأقوى، لكن داخل حدودها الجغرافية و في مجال نفوذها الاستراتيجي المباشر. إنها ليست انعزالاً تقليدياً، ولا هيمنة كاملة، بل نموذج جديد يسميه بعض المحللين: “الهيمنة المحدودة”. صراحة، إنها

لحظة تحوّل تاريخيّة في السياسة الأمريكية، لحظة تقول فيها واشنطن ومن وراءها دونالد ترامب: لسنا بحاجة للسيطرة على العالم، يكفي أن نبقى الأقوى، ولكن بشروطنا نحن أي الأمريكان طبعا.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار