أقلام حرة

حين تكشف الأسواق موازين القوة: صعود الدرهم المغربي في غرب إفريقيا

«العملات لا تصنع نفوذًا حين تنتشر… بل تكشفه حين تقبلها الأسواق.» — من أدبيات الاقتصاد الجيوسياسي المعاصر

يشهد غرب إفريقيا تحوّلًا نقديًا هادئًا ولكنه عميق التأثير، إذ يتزايد حضور الدرهم المغربي في بيئة كانت لعقود طويلة واقعة تحت هيمنة الفرنك CFA والدولار واليورو. هذا الانتشار، بالإضافة إلى كونه ظاهرة مالية، يعكس استراتيجية مغربية دقيقة تجمع بين توسع البنوك، الاستثمارات الضخمة، والممرات اللوجستية التي تربط المغرب بعمقه الإفريقي. وفي هذا السياق، يتقدم الدرهم ليصبح عنصرًا رئيسيًا في التجارة البينية وتسويات العقود وتحويلات المغتربين، بل وأداة ادخار لدى فئات واسعة.

أولًا: كيف وصل الدرهم إلى أسواق غرب إفريقيا؟

1. انتشار البنوك المغربية

انتشار البنوك المغربية في أكثر من ثلاثين دولة إفريقية، لا سيما في السنغال ومالي وساحل العاج، جعل فتح الحسابات بالدرهم وتمويل التجارة به أمرًا يوميًا. بالإضافة إلى ذلك، أدى هذا الانتشار إلى تسهيل المعاملات المالية وخلق بنية مصرفية موثوقة يعتمد عليها الفاعلون المحليون.

2. الاستثمارات الاستراتيجية الكبرى

استثمارات مجموعات مغربية كبرى مثل OCP في مشاريع الأسمدة والبنية التحتية، عززت من قبول الشركات الإفريقية التعامل بالدرهم. علاوة على ذلك، ساهمت هذه المشاريع في خلق سلاسل توريد ممتدة تمنح الدرهم فضاءً اقتصاديًا أوسع في غرب إفريقيا.

3. الممرات اللوجستية العابرة للحدود

إنشاء ممرات برية عبر موريتانيا نحو دول الساحل—وخاصة معبر سمارة–بير مغرين—ساهم في ربط الاقتصاديات الداخلية بالموانئ المغربية. ونتيجةً لذلك، توسّع عمليًا نطاق استعمال الدرهم في التجارة البرية.

4. توسع الاستخدام غير الرسمي

من جهة أخرى، ساهم انتشار الدرهم في التحويلات والادخار لدى التجار والسكان المحليين، خاصة في موريتانيا ودول الساحل. ويأتي هذا التوسع نتيجة الثقة النسبية في العملة مقارنة بالعملات المحلية المتقلبة.

ثانيًا: لماذا يفضّل التجار التعامل بالدرهم؟

1. الاستقرار النسبي للدرهم

يُعتبر الدرهم عملة مستقرة بحكم ارتباطه بسلة عملات تشمل اليورو والدولار ضمن نظام مرن مُدار. وبالإضافة إلى ذلك، يقلل هذا النظام من تقلبات سعر الصرف مقارنة بالعملات المحلية الضعيفة.

2. خيار إفريقي بديل للفرنك CFA

في ظل تراجع الثقة في الفرنك CFA، أصبح التجار يبحثون عن بدائل أكثر استقلالية. وبالتالي، يظهر الدرهم كخيار إفريقي مدعوم باقتصاد متنوع واحتياطات مريحة.

3. سهولة التحويل والاستعمال

علاوة على ذلك، يتيح وجود البنوك المغربية والربط اللوجستي الواسع سهولة استعمال الدرهم في التجارة اليومية، بخلاف العملات الأجنبية التي تحمل تكاليف إضافية.

ثالثًا: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية لصعود الدرهم

1. تعزيز القوة الناعمة المغربية

توسع استخدام الدرهم يعكس صعود قوة مالية مغربية، إذ يمنح الرباط نفوذًا تفاوضيًا أكبر في ملفات الهجرة والأمن وسلاسل الإمداد. في هذا السياق، يصبح الدرهم أداة للنفوذ بقدر ما هو وسيلة للتبادل.

2. تراجع النفوذ التقليدي في المنطقة

بالرغم من السيطرة التاريخية للفرنك CFA، فإن التحول الحالي يتقاطع مع تراجع النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا، مقابل صعود فاعلين جدد مثل المغرب وتركيا ودول الخليج والصين. ونتيجةً لذلك، يصبح الشأن النقدي جزءًا من إعادة تشكيل موازين القوى.

3. مخاطر على التوازنات الداخلية

مع ذلك، يثير الانتشار السريع للدرهم أسئلة مهمة حول قدرة المغرب على الاستجابة للطلب الخارجي دون الضغط على احتياطاته أو التأثير على توازناته الداخلية.

رابعًا: التحديات والسيناريوهات المستقبلية

1. غياب إطار رسمي للعملة الإقليمية

على الرغم من توسع استعمال الدرهم، فإن غياب إطار مؤسساتي يمنع تحوّله إلى عملة رسمية بديلة كاملة للفرنك CFA. وبالتالي، يبقى دوره حاليًا دور “مكمّل قوي” لا بديل شامل.

2. تأثير البنية اللوجستية على مستقبل العملة

نجاح مشاريع البنية التحتية وموانئ الأطلسي المغربية—بالإضافة إلى توسع شبكة البنوك والاستثمارات—سيحدد ما إذا كان الدرهم سيتحول إلى نواة “منطقة نقدية مغاربية–غرب إفريقية” بحكم الواقع.

3. مساران محتملان لمستقبل الدرهم

في الوقت نفسه، يتأثر مستقبل الدرهم بمسارين متوازيين:

▪︎ إصلاحات داخلية في المغرب بما في ذلك مرونة أكبر في سعر الصرف ورقمنة الدرهم.

▪︎ تطورات سياسية في الساحل وغرب إفريقيا مثل مشاريع العملات الإقليمية الجديدة وعدم الاستقرار الأمني.

رأي التحرير

ترى هيئة التحرير أن صعود الدرهم في غرب إفريقيا يمثل تحولًا بنيويًا لا يمكن تجاهله، لأنه يعكس صعود قوة مالية مغربية قادرة على إعادة تشكيل جزء من التوازنات النقدية في القارة. ومع ذلك، يتطلب هذا المسار حوكمة نقدية دقيقة واتفاقيات تعاون رسمية لتأطير هذا الانتشار.
ورغم التحديات، تشير المؤشرات إلى أن الدرهم يتقدم بثقة ليصبح عملة إقليمية واقعية بحكم الاستعمال قبل أن يكون بحكم الاتفاقات الرسمية.

 

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار