بين الراينلاند والبلطيق: هل تسقط أوروبا في فخ “اختبار الإرادة” مرة أخرى؟
في ربيع عام 1936، لم تكن إعادة تسليح إقليم “الراينلاند” مجرد تحرك عسكري عابر من قبل هتلر، بل كانت “مقامرة نفسية” كبرى. دخل بضعة آلاف من الجنود الألمان تلك المنطقة الحدودية الحساسة بقلوب مرتجفة وأوامر صريحة: “انسحبوا فوراً إذا تحركت فرنسا”. كانت تلك اللحظة هي الاختبار الحقيقي لإرادة النظام الدولي؛ فلو أطلق الفرنسيون رصاصة واحدة، لربما تغير مسار التاريخ وتجنب العالم دمار الحرب العالمية الثانية. لكن الصمت الأوروبي حينها هو الذي أطعم هتلر “الملعقة الأولى” التي فتحت شهيته لابتلاع القارة بأكملها لاحقاً.
اليوم، يبدو أن التاريخ يفتح صفحاته القديمة من جديد، لكن بأسماء ومواقع مختلفة. الخوف الذي يسكن العواصم الأوروبية الآن ليس من غزو روسي شامل غداً، بل من استراتيجية “جس النبض” التي تتقنها موسكو. نحن نعيش مرحلة “اختبار المادة الخامسة” من ميثاق الناتو قبل تفعيلها عسكرياً. السؤال الذي يطرحه مفكرون مثل كارلو ماسالا في كتابه الصادم “ماذا لو انتصرت روسيا؟” ليس ترفاً فكرياً، بل هو سيناريو واقعي يبدأ من فرضية بسيطة: ماذا لو قررت روسيا ألا تهاجم باريس أو برلين، بل اختارت مدينة نائية مثل “ناروفا” الإستونية؟
هنا يكمن لب الصراع؛ فالمسألة ليست في مساحة الأرض، بل في “عقد الثقة”. إذا تحركت روسيا في بقعة تبدو هامشية، ووقف الحلف يتردد في التضحية بجنوده من أجل “مدينة صغيرة لا يعرفها أحد”، فإن النظام الأمني العالمي سينهار معنوياً قبل أن تطلق فيه قذيفة مدفع واحدة. إنها سياسة “قضم الأصابع” التي تراهن على تصدع الجبهة الداخلية لأوروبا، خاصة مع صعود التيارات التي ترفع شعار “أمتي أولاً” وتشكك في جدوى القتال من أجل الآخرين.
المقلق في المشهد الحالي في رايي الشخصي هو أن واشنطن نفسها بدأت تعيد ترتيب أولوياتها، متجهة بعينها نحو التنين الصيني، وتاركة لأوروبا حملاً أمنياً ثقيلاً قد لا تقوى على حمله وحدها. هذا التراجع الأمريكي ليس مجرد قرار إداري، بل هو ضوء أخضر غير مباشر لموسكو لتستمر في اختبار “المادة الخامسة” عبر أدوات هجينة؛ من موجات اللجوء المفتعلة إلى الضغط الاقتصادي والسيبراني، وصولاً إلى التحرش الحدودي الرمزي.
نحن أمام اختبار إرادة حقيقي، حيث القوة لا تكمن فيما تملكه الجيوش في مخازنها، بل في مدى استعداد القادة لاتخاذ القرار الصعب في اللحظة الحرجة. التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بانفجارات ضخمة، بل تبدأ بصمت مريب وتنازلات صغيرة تُمنح تحت ستار “الحفاظ على السلام”، لتنتهي بكارثة لا تبقي ولا تذر.
السؤال الذي يواجه أوروبا اليوم ليس: هل تملكون القوة؟ بل هو السؤال الوجودي الأصعب: هل ستجرؤون على استخدامها عندما يبدو الثمن أغلى من قطعة الأرض المتنازع عليها؟ لأن الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كنا سنشهد “عصر الراينلاند” من جديد، أم أننا تعلمنا الدرس أخيراً.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار
تعليقات الزوار ( 1 )
Been playing xsktkontum for years! Still waiting for that big win. Keeps me dreaming, though! Maybe tonight’s the night! More info at xsktkontum.